تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
فخفض « دين » بإضمار حرف الخفض . والذي يدل على ذلك أنكم تعملون ربّ مع الحذف بعد الواو والفاء وبل ؛ فدل على جوازه . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : أجمعنا على أن الأصل في حروف الجر أن لا تعمل مع الحذف ، وإنما تعمل مع الحذف في بعض المواضع إذا كان لها عوض ، ولم يوجد هاهنا ، فبقينا فيما عداه على الأصل ، والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال ، وهو من الأدلة المعتبرة ، ويخرّج على هذا الجرّ إذا دخلت ألف الاستفهام [ 173 ] وها التنبيه نحو « آللّه ما فعل ، وهاللّه ما فعلت » لأن ألف الاستفهام وها صارتا عوضا عن حرف القسم ؛ والذي يدل على ذلك أنه لا يجوز أن يظهر معهما حرف القسم ؛ فلا يقال « أو اللّه » ولا « ها واللّه » لأنه لا يجوز أن يجمع بين العوض والمعوض ، ألا ترى أن الواو لما كانت عوضا عن الباء لم يجز أن يجمع بينهما ؛ فلا يجوز أن يقال : « بواللّه لأفعلنّ » ؟ فكذلك هاهنا . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما احتجاجهم بقولهم « أللّه لأفعلن » فإنما جاز ذلك مع هذا الاسم خاصة على خلاف القياس لكثرة استعماله ، كما جاز دخول حرف النداء عليه مع الألف واللام دون غيره من الأسماء لكثرة الاستعمال ؛ فكذلك هاهنا : جاز حذف حرف الخفض لكثرة الاستعمال مع هذا الاسم دون غيره ، فبقينا فيما عداه على الأصل . يدل عليه أن هذا الاسم يختص بما لا يكون في غيره ، ألا ترى أنه يختص بالتاء كقوله تعالى :
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[ الأنبياء : 57 ] وإن كان لا يجوز دخول التاء في غيره ، كما لا يجوز إدخال التاء
شرح
- فيجعلون العطف عليه بالجر تبعا لحاله الذي هو عليه حقيقة ، وأما الذين يذهبون إلى أن المصدر بعد حذف حرف الجر صار منصوبا فيجعلون العطف عليه بالجر على أحد وجهين : الأول أنه معطوف على محل المصدر الذي كان له قبل حذف حرف الجر ، والثاني أنه معطوف على التوهم ، وكأن الشاعر بعد أن قال « أن تكون حبيبة » قد توهم أنه أدخل حرف الجر لأنه كثيرا ما يتكلم به ، فأتى بالمعطوف مجرورا ، قال ابن هشام في المغني ( ص 526 بتحقيقنا ) : « وقوله :* وما زرت ليلى أن تكون حبيبة * البيترووه بخفض دين عطفا على محل أن تكون ؛ إذ أصله لأن تكون ، وقد يجاب بأنه عطف على توهم دخول اللام ، وقد يعترض بأن الحمل على العطف على المحل أظهر من الحمل على العطف على التوهم ، ويجاب بأن القواعد لا تثبت بالمحتملات » اه . وقال سيبويه بعد إنشاد البيت « جره لأنه صار كأنه قال : لأن تكون » اه . وقال الأعلم : « الشاهد فيه حمل دين على معنى لأن تكون ، وجرّه » اه .