تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
فأما قولهم « جير لأذهبنّ ، وعوض لأقومن ، وكلّا لأنطلقن » فإنما أقسموا بها لأنهم أجروها مجرى حق ، والحق معظّم في النفوس ، بخلاف الظن الذي فيه معنى الشك ، وجير بمعنى نعم ، قال الشاعر : [ 257 ]
إنّ الّذي أغناك يغنيني جير * واللّه نفّاح اليدين بالخير
وعوض بمعنى الدهر ، قال الشاعر : [ 258 ]
رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا * بأسحم داج عوض لا نتفرّق
شرح
[ 257 ] هذان بيتان من مشطور الرجز ، والذي يؤخذ من كلام أهل اللغة أن « جير » تأتي على وجهين : أولهما : أن تكون حرف جواب كأجل ، ومعناهما نعم ، وعليه جاء قول الراجز :قالت : أراك هاربا للجور * من هدة السلطان ، قلت : جيروهي في هذا الوجه مبنية إما على الكسر كما هو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين ، وإما على الفتح للتخفيف مثل أين وكيف ، والوجه الثاني : أن تكون بمعنى اليمين ، يقال : جير لا أفعل كذا ، ولا جير لا أفعل ذلك ، قال الجوهري : « قولهم جير لا آتيك - بكسر الراء - يمين للعرب ، ومعناها حقا » اه وأنكر ابن هشام في المغني الاستعمال الثاني ، قال ( ص 120 ) : « جير - بالكسر على أصل التقاء الساكنين كأمس ، وبالفتح للتخفيف كأين وكيف - حرف جواب بمعنى نعم ، لا اسم بمعنى حقا فتكون مصدرا ، ولا بمعنى أبدا فتكون ظرفا ، وإلا لأعربت ودخلت عليها أل » اه . وفي كلام ابن هشام هذا مناقشة ؛ فإنه قطع بأنها لا تكون إلا حرف جواب بمعنى نعم ، ونفى أن تكون اسما بمعنى حقا يستعمل في اليمين ، واستدل بأنها لو كانت اسما بمعنى حقا لوجب إعرابها وجاز دخول أل عليها ، وكل ذلك غير مسلم له ، أولا : لأن أثبات العلماء قد نقلوا أن العرب تستعملها بمعنى اليمين ، وقد استقر عند المحققين أن من حفظ حجة على من لم يحفظ ، وثانيا : أنه لا يلزم من كونها تأتي اسما بمعنى حقا أن تعرب ، لأن لبنائها مع ذلك سببا معترفا به ، وبهذا السبب نفسه بنيت بعض الأسماء ، وهذا السبب هو شبهها الحرف شبها لفظيا ، فإن « جير » التي هي اسم بمعنى حقا أشبهت « جير » التي هي حرف جواب ، كما أن « حاشا » التنزيهية بنيت لشبهها حاشا الحرفية شبها لفظيا ، ولم يلزم من كونها بمعنى تنزيها أن تعرب ولا أن تدخلها أل ، وأيضا « ما » التي هي نكرة بمعنى شيء لم يلزم من أن تكون بمعنى اسم تدخل عليه أل أن تكون هي بحيث تدخل عليها أل ، وقول الراجز المستشهد بكلامه « واللّه نفاح اليدين بالخير » مأخوذ من قولهم « نفحه بشيء » أي أعطاه ، و « نفحه بالمال نفحا » أعطاه ، وفي الحديث « المكثرون هم المقلون إلا من نفح فيه يمينه وشماله » أي ضرب يديه فيه بالعطاء . وقال الشاعر ، وهو ابن ميادة الرماح بن أبرد يمدح الوليد بن يزيد :لما أتيتك أرجو فضل نائلكم * نفحتني نفحة طابت لها العرب[ 258 ] هذا البيت من قصيدة الأعشى ميمون بن قيس التي مدح بها المحلق فرفع من شأنه ، ومطلعها :أرقت ، وما هذا السهاد المؤرق ؟ * وما بي من سقم ، وما بي معشقوالبيت المستشهد به من شواهد رضي الدين في باب الظروف من شرح الكافية ، وقد شرحه -