تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
وقولهم : « إن من العرب من يقول في منذ منذ بكسر الميم » قلنا : أولا هذه لغية شاذة نادرة لا يعرج عليها ؛ وليس فيها حجة على أنها مركبة من من وإذ ، وإنما هي لغية نادرة بكسر كما جاءت اللغة الفصيحة المشهورة بالضم ، فهو من جملة ما جاء على لغتين الضم والكسر ، والضم أفصح ، فأما أن تدل على [ 171 ] أنها مركبة من من وإذ فكلّا ! . وقولهم : « إن الرفع بعدهما يكون بتقدير فعل ، والتقدير فيه : مذ مضى يومان ، ومنذ مضى ليلتان ، اعتبارا بإذ ، والخفض يكون بعدهما اعتبارا بمن » قلنا : هذا باطل ؛ لأن الحرفين إذا ركبا بطل عمل كل واحد منهما مفردا ، وحدث حكم آخر ، كما قلنا في « لولا ، ولوما ، وإلّا » وما أشبه ذلك ، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في مسألة الاستثناء . وهذا هو الجواب عن قول الفراء « إنهما مركبتان من من وذو التي بمعنى الذي » والذي يبطل ما ذهب إليه الفراء أن « ذو » التي بمعنى الذي إنما تستعملها طيىء خاصة ، و « منذ يومان » بالرفع مستعمل في لغة جميع العرب ، فكيف استعملت العرب قاطبة ذو بمعنى الذي مع من - على زعمكم - دون سائر المواضع ؟ وهل ذلك إلا تحكم محض لا دليل عليه ؟ . وقولهم : إن التقدير فيه من الذي هو يومان فحذف المبتدأ الذي هو هو ، كقولهم : الذي أخوك زيد ، أي الذي هو أخوك » قلنا : وهذا أيضا لا يستقيم ؛ لأن حذف المبتدأ من صلة الاسم الموصول لا يجوز في نحو « الذي أخوك زيد » أي : الذي هو أخوك ، وإنما يجوز ذلك جوازا ضعيفا إذا طال الكلام ؛ كقولهم : « الذي راغب فيك زيد ، وما أنا بالذي قائل لك شيئا » « 1 » ، وما أشبه ذلك ، على أن من النحويين من يجعل الحذف في هذا النحو أيضا شاذا لا يقاس عليه ، وإذا كان شاذا لا يقاس عليه مع طول الكلام فمع عدمه أولى ؛ فدل على فساد ما ذهب إليه ، واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) المثال الذي يذكره النحاة « ما أنا قائل لك سوءا » فلعل ما هنا مصحف عنه ، وقد تكرر هذا المثال في كلام المؤلف ، وانظر ص 323 السابقة .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 324 | أبو البركات بن الأنباري