يذكّرنيك حنين العجول * ونوح الحمامة تدعو هديلا
ففصل بين « ثلاثين » وبين مميّزها بالجار والمجرور ، وإن كان قليلا لا يقاس عليه ، واللّه أعلم .
شرح
- العين - الناقة التي ألقت ولدها قبل موعده ، أو هي التي ذبح ولدها أو مات ، وحنينها : أراد به ما تظهره من الوله على ولدها ، والهديل : أصله صوت الحمام ، ويراد منه فرخ الحمام الذي تزعم العرب أن جارحا صاده على عهد نوح فكل حمامة تبكي عليه إلى اليوم .
يقول : إنني لا أنسى عهدك على بعده ، فكلما حنت عجول أو ناحت حمامة رقت نفسي فذكرتك . والاستشهاد به في قوله « ثلاثون للهجر حولا » حيث فصل بين اسم العدد - وهو قوله « ثلاثون » - وتمييزه - وهو قوله « حولا » وهذا يقوي ما جوزه النحاة في « كم » من الفصل بينها وبين تمييزها عوضا عما منعته من التصرف في الكلام بالتقديم والتأخير ، بسبب كونها أشبهت كم الاستفهامية فألزمت التصدير لذلك ، وإن كان بين « كم » وبين اسم العدد فرق ، فإن الثلاثين ونحوها من أسماء الأعداد لا تمتنع من التقديم والتأخير ، لأنها لم تتضمن معنى يوجب لها التصدير ، فكان عملها في التمييز أوسع من عمل كم ، قال سيبويه ( 1 / 291 ) : « واعلم أن كم تعمل في كل شيء حسن للعشرين أن تعمل فيه ، فإذا قبح للعشرين أن تعمل في شيء قبح ذلك في كم ، لأن العشرين عدد منون ، وكذلك كم هو منون عندهم ، كما أن خمسة عشر عندهم بمنزلة ما قد لفظوا بتنوينه ، لولا ذلك لم يقولوا :
خمسة عشر درهما ، ولكن التنوين ذهب منه كما ذهب مما لا ينصرف ، وموضعه موضع اسم منون ، وكذلك كم موضعها موضع اسم منون ، وذهبت منها الحركة كما ذهبت من إذ ؛ لأنهما غير متمكنين في الكلام » ثم قال بعد كلام : « وتقول : كم رجل زارني ، ولا تقول : زارني كم رجل ، ولو قال : أتاك ثلاثون اليوم درهما ، كان قبيحا في الكلام ؛ لأنه لا يقوى قوة الفاعل ، وليس مثل لم ؛ لما ذكرت لك ، وقد قال الشاعر .* على أنني بعد ما قد مضى ثلاثون . . . *وكم رجلا أتاك ، أقوى من كم أتاك رجلا ، وكم ههنا فاعلة » اه . وقال ابن يعيش : « فإن قيل : فلم قبح الفصل بين العدد ومميزه ولم يحسن أن تقول : قبضت خمسة عشر لك درهما ، ورأيت عشرين في المسجد رجلا ؟ قيل : إنما كان كذلك لضعف عمل العشرين ونحوها فيما بعدها ؛ لأنها عملت على التشبيه باسم الفاعل ولم تقو قوته ، مع أنه قد جاء ذلك في الشعر » اه . ومثل هذا البيت في الفصل بين اسم العدد ومميزه ما أنشده ابن يعيش ( 581 ) ونسب روايته إلى سيبويه ، ونسبه لعبد بني الحسحاس :فأشهد عند اللّه أن قد رأيتها * وعشرون منها إصبعا من ورائيا