. . .
شرح
عينا وهم اليهود إثبات لدخول أحد الفريقين مطلقا ، لأن الأخص يستلزم الأعم ، فقولهم : لن يدخل الجنة إلا يهودي ، يصدق أنه ينسب به إليهم أنهم قالوا : لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى ؛ لأن من أثبت قيام زيد دون عمرو ، يصدق عليه أنه أثبت قيام أحد الرجلين ، لا يقال : فيلزم أن يحكى عنهم أنهم قالوا : لن يدخل إلا يهودي أو نصراني أو مسلم ، لأنا نقول :
لما كان مقصودهم الأصلي هو نفى دخول المسلمين صرح بنفيه ولم يذكر الأعم الشامل له ، ولما لم يكن قول كل منهم : لن يدخل الجنة إلا يهودي أكثر قبحا من قوله : لن يدخل الجنة إلا يهودي ، أو نصراني حكى من كلامهم الثاني الذي هو موجود في ضمن قولهم الأول ، بل هو أبلغ في الشناعة عليهم ؛ لأنه بين به انصباب غرضهم في اختصاص المسلمين بالإبعاد عن الجنة ، فليتأمل ما ذكرناه فإنه حسن دقيق . قيل : ويجوز أن يكون في الآية حذف ، والتقدير :
وقالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، فيكون لفا ونشرا بالتفصيل لا الإجمال ، وفيه نظر ؛ لأن المذكور هو الضمير الشامل للفريقين ، فكيف يكون الحذف ؟
( تنبيه ) : بقي من اللف والنشر قسم ثالث لم يذكره ، أشار إليه الزمخشري في قوله تعالى :وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ« 1 » قال : وهذا من باب اللف ، وترتيبه ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار ، إلا أنه فصل بين الفريقين الأولين بالقرينين الآخرين ، لأنهما زمانان ، والزمان والواقع فيه كشىء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد . ويجوز أن يراد : منامكم في الزمانين وابتغاؤكم فيهما ، والظاهر الأول ؛ لتكرره في القرآن . قلت : نعم بقي الكلام في صحة ما قاله الزمخشري من جهة الصناعة ، وهو في غاية الإشكال ؛ لأنه إذا كان المعنى ما ذكره ، يكون النهار معمول ابتغاؤكم ، وقد تقدم عليه وهو مصدر ، وذلك لا يجوز ، ثم يلزم إما عطف على معمولى عاملين ، أو تركيب لا يسوغ ، ثم هذه الواو في " وابتغاؤكم " كيف موقعها ؟ فليتأمل . وهذا يعكر على ما تقدم من حد اللف والنشر ، فإنه يشعر أنه لا بد من تقدم اللف بجملته ، ثم يأتي النشر بعده ، وهذا الموضع وقع فيه بعض النشر ، قبل تكميل اللف ، والعجب أن الطيبي عثر بهذا الموضع ، ومع ذلك حد اللف والنشر كما ذكره غيره ، ولم يتنبه لإصلاحه بما يدخل هذا النوع ، وكان يمكن أن يجعل من اللف والنشر قسم رابع ، وهو عكس الثاني ، بأن تقول :
قالت اليهود والنصارى : لا يدخلون الجنة ، كما في أحد نوعي الجمع ، والتقسيم الذي سيأتي .
هامش
( 1 ) سورة الروم : 23 .