تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
. . .
شرح
الصارف إلى الكناية القرينة ، وكيف لا والكناية على خلاف الأصل ؛ لأن الأصل في الكلام أن يراد به ما استعمل فيه وكل خلاف الأصل محتاج إلى القرينة ، وقال الزمخشري في قوله تعالى :وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ« 1 » في سورة آل عمران وهو مجاز عن الاستهانة بهم ، تقول : " فلان لا ينظر إلى فلان " تريد نفى الاعتداد به ، فإن قلت : أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه ؟ قلت : أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية ، فإن من اعتد بإنسان أعاره نظره ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد ، والإحسان وإن لم يكن ثم نظر ، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجردا لمعنى الإحسان مجازا عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر انتهى . فجعله الزمخشري في حق من لا يجوز عليه النظر مجازا وفي غيره أصله كناية ، ثم كثر فصار مجازا ، فدل على أنه حيث تمكن الحقيقة تصح الكناية ، والمجاز جميعا بحسب الإرادة ، فإن أردت نفى النظر ليدل على نفى الاعتداد فكناية ، وإن استعملته في نفى الإحسان كان مجازا ، وأشار الزمخشري في كلامه السابق إلى أن الكناية ، والمجاز قد يجتمعان ؛ لأنه جعله في حق من يجوز عليه النظر أصله الكناية ، ثم صار مجازا ، واعلم أن هذا الكلام من الزمخشري يوهم أن الكناية قد تكون مجازا ، وقد صرح بذلك ، قال في قوله :وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ« 2 » الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظه الموضوع ، والتعريض أن تذكر شيئا تدل به على شئ لم تذكره ، وهذا مخالف لما يقتضيه كلام غيره ، وقد يقال : إن الكناية قسمان تارة يراد بها المعنى الحقيقي ليدل بها على المعنى المجازى فيكون حقيقة ، وتارة يراد بها المعنى المجازى لدلالة المعنى الحقيقي الذي هو موضوع اللفظ عليه فيكون من أقسام المجاز ، وقول من قال : " الكناية لا تنافى المجاز " يريد أنها قد تأتى كذلك لمجىء بعض أقسامها عليه فهي إما مجاز خاص ، أو حقيقة خاصة ، وتريد بقولنا : " خاص " أن الحقيقة والمجاز يراد بهما معناهما من حيث هما هما ، والكناية يراد بها المعنى الحقيقي من حيث كونه دالا ، والمعنى المجازى من حيث كونه مدلولا ، ولعله المراد من إطلاق الفقهاء الكناية على المعنى المجازى ، وسنتكلم عليه - إن شاء اللّه تعالى - ومما يشهد أن الكناية قد تكون نوعا من المجاز قول عبد اللطيف في قوانين البلاغة : " وقيل : المجاز اسم جنس تحته أنواع : الاستعارة ، والتمثيل ،
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 77 . ( 2 ) سورة البقرة : 235 .