تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وقوله تعالى :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
« 1 » أي : الدّين الحقّ .
شرح
فإن أسدا هنا استعارة تحقيقية ؛ لأن معناه وهو الرجل الشجاع أمر محقق حسى ، وتارة يكون عقليا كقولك : " أبديت نورا " تريد حجة فإن الحجة عقلية لا حسية ، فإنها تدرك بالعقل ، وليست الألفاظ هي الحجة ، فتكون حسية ، بل الألفاظ دالة على الحجة ، وكذلك قوله تعالى :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَأي الدين الحق ، فإن الصراط حقيقة في الطريق الجادة . واختلفوا في قوله تعالى :فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ« 2 » فظاهر كلام الزمخشري أنها عقلية ؛ لأنه قال : شبه ما غشى الإنسان من بعض الحوادث باللباس ؛ لاشتماله على اللابس . وظاهر كلام السكاكى أنها حسية ؛ لأنه جعل اللباس استعارة لما يلبس الإنسان عند جوعه وخوفه من انتقاع اللون ورثاثة الهيئة . قلت : وليس كلام الزمخشري واضحا في أن المشبه عقلي ؛ لأنه جعل المشبه ما غشى الإنسان من بعض الحوادث ، فقد يريد به ما يحصل من الجوع والخوف من انتقاع اللون كما قال السكاكى . واعلم أن قولنا : إن المشبه هنا عقلي أو حسى إنما نريد بالحسى فيه الحس الحقيقي لا الخيالي ، فإن الخيالي داخل هنا في حكم الوهمي فيكون من قسم الاستعارة التخييلية ، ونريد بالعقلي أعم من الوجداني ، ألا ترى أن الجوع والخوف وجدانيان وقد سموهما عقليين ، ونريد بالوهمى أعم من الخيالي ، وهذا كله على خلاف الاصطلاح السابق في أركان التشبيه ، فإنا ألحقنا الخيالي بالحسى ، والوهمي بالعقلي ، ثم اعلم أن هذه الآية سيأتي ذكرها عند الكلام على تحقيق معنى الاستعارة التخييلية ، وسيأتي على كون المشبه هنا عقليا إشكال ، وعلى جعل هذا استعارة إشكال ، وكلاهما يناقض هذا فليطلب من موضعه . واعلم أن ما جزم به المصنف من كون الاستعارة في اللباس تحقيقية إما عقلية أو حسية ، مخالف لما قاله السكاكى من أنها تخييلية ، والحق أنها عقلية ، لأن الضرر الحاصل بالجوع والخوف محقق . قال في الإيضاح : ومن لطيف هذا الضرب ما يقع التشبيه فيه في الحركات كقول أبى دلامة يصف بغلتهأرى الشّهباء تعجن إن غدونا * برجليها وتخبز باليدين « 3 »
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة : 5 . ( 2 ) سورة النحل : 112 . ( 3 ) أبو دلامة هو زيد بن الجوات ، شاعر من رجال السفاح ، والمنصور ، والمهدى . الإيضاح بتحقيقى ص 254 . ب ( إذ عذونا ) بدلا من ( إن غدونا ) .