( وقد تحصل ) الغرابة ( بتصرف في ) الاستعارة ( العامّيّة كما في قوله :
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * ( وسالت بأعناق المطىّ الأباطح ) « 1 »
جمع : أبطح ؛ وهو مسيل الماء فيه . . .
شرح
وجه الغرابة في هذا الشبه . أن الانتقال إلى الاحتباء الذي هو المشبه به عند استحضار إلقاء العنان على القربوس للفرس في غاية الندور ؛ لأن أحدهما من وادى القعود والآخر من وادى الركوب مع ما في الوجه من دقة التركيب وكثرة الاعتبارات الموجبة لغرابة إدراك وجه الشبه وبعده عن الأذهان ( قوله : وقد تحصل . . إلخ ) عطف على قوله سابقا :
قد تكون أي . أن الغرابة قد تكون في نفس التشبيه وقد تحصل . . إلخ ( قوله : بتصرف . .
إلخ ) أي : وذلك التصرف هو أن يضم إلى تلك الاستعارة تجوّز آخر لطيف اقتضاه الحال وصححته المناسبة ( قوله : كما في قوله ) أي : قول الشاعر وهو كثيرّ عزّة ، وهذا البيت من قصيدة من الطويل ، وقبله :ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح
وشدّت على دهم المهارى رحالنا * ولم ينظر الغادى الذي هو رائح
أخذنا . . .البيت
( قوله : كل حاجة ) أي : من رمى الجمار وغيره ، والدهم : جمع دهماء وهي السوداء ، والمهارى [ بفتح الراء وكسرها ] جمع مهرية وهي الناقة المنسوبة إلى مهرة بن حيدان [ بكسر الحاء وفتحها ] بطن من قضاعة هذا معناه في الأصل ، ثم صارت المهرية تطلق على كل نجيبة من الإبل ، وينظر بمعنى ينتظر ، والغادى هو السائر من الصباح للظهر والرائح هو السائر من الظهر للغروب ( وقوله : أخذنا بأطراف . . إلخ ) أي : شرعنا في أطراف . . إلخ ، وأطراف الأحاديث : فنونها وأنواعها فهو جمع طرف [ بالتحريك ] بمعنى الناحية ، والأباطح :
جمع أبطح وهي محل سيل الماء الذي في الحصى الدقيق ضد الغليان ، وحينئذ فالمعنى : لما فرغنا من أداء المناسك في الحج ومسحنا أركان البيت لطواف الوداع وغيره وشددنا الرحال - وهي ما يحمل من الأخبية - وغيرها على المطايا ، وارتحلنا ارتحال الاستعجال
هامش
( 1 ) البيت لكثير عزة في الإشارات ص 217 ، وفي شرح المرشدى على عقود الجمان ج 2 ص 44 .