تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
في مضمار الفصاحة والبراعة . . .
شرح
السبق من إضافة الدال للمدلول ، أي القصب الدال على السبق ، أي الدال حوزه عليه . ( وقوله : في مضمار ) صفة القصب أي المغروز في مضمار الفصاحة ، والمضمار محل تسابق الفرسان بالخيل ويقال له أيضا : ميدان ، وإنما سمّى مضمارا لتسابق الفرسان فيه بالخيل المضمرة . ثم إن الفصاحة سيأتي تعريفها ، وأما البراعة فمصدر ( برع ) الرجل إذا فاق أقرانه ، فالبراعة : فوقان الأقران ، والمراد بها هنا ما به الفوقان من الكمال والشرف . ثم لا يخفى أن كلا من الفصاحة والبراعة بالمعنى المراد هنا لا مضمار لهما ، وحينئذ ففي الكلام استعارة تمثيلية ، حيث شبّه هيئة الآل والأصحاب في حوزهم أعلى مراتب الفصاحة والبراعة عند المحاورة والتخاطب ، بهيئة الفرسان في حوزهم قصب السبق عند التسابق بالخيل في الميدان ، واستعير اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها للهيئة المشبهة على طريق الاستعارة التمثيلية ، أو استعارة مفردة مصرّحة في قصب السبق ، بأن شبه ما اختصوا به من بديع العبارات الدال على علو مرتبتهم في الفصاحة والبراعة بقصب السبق ، واستعير اسم المشبه به للمشبه ، والمضمار ترشيح ، أو مكنيّة في الآل والأصحاب بأن شبههم بفرسان ، أو في الفصاحة والبراعة بأن شبههما بالخيل الجيدة الموصلة للمراد ، وإثبات المضمار على كل من الوجهين تخييل ، وإحراز قصب السبق ترشيح ، والفصاحة والبراعة على الأول من الوجهين تجريد ، وأقرب من ذلك أن نقول : الإحراز في الأصل هو الضم ، والمراد به هنا التحصيل ، والقصب في الأصل هي السهام الصغيرة التي تغرز في آخر الميدان بحيث يعد من أخذها أولا سابقا ، والمراد بها هنا النكات الدقيقة ، أي : المحصلين للمعاني الدقيقة الدالة على سبقهم على غيرهم . ( وقوله : في مضمار ) حال من الآل والأصحاب أي حال كون الآل والأصحاب تتسابق أذهانهم في مضمار ، والمراد به هنا الكلام البليغ من كلام اللّه ورسوله ، فكما أن المضمار الأصلي تركض وتتسابق فيه الفرسان ، كذلك الكلام البليغ تركض فيه أذهان الآل والأصحاب ، وإضافة المضمار بمعنى الكلام البليغ للفصاحة والبراعة ؛ من حيث إنه يفيد أن الراكض فيه ذو فصاحة وبراعة ،