تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
فقس . وها هنا اعتبار أن في الشرط والجزاء أحدهما : اعتبار أهل العربية ، وهو الذي دل عليه كلام المصنف ، وهو أن الجزاء هو المعتبر في أصل الإفادة ، والشرط قيد في حكمه بمنزلة الفضلات ، كالمفعول ، ونحوه كالظرف ، فإذا قلت : إن جئتني أكرمتك فالمعتبر لأصل الإفادة هو الإخبار بالإكرام ، وأما المجيء فهو قيد فيه ، فكأنك قلت : أكرمك وقت مجيئك ، وإذا كان الجزاء هكذا خبرا ، فالكلام خبر ، وإن كان إنشاء كقولك : إن جاء زيد فأكرمه ، فالكلام إنشاء ولم تخرجه أداة الشرط عن احتمال الصدق والكذب ؛ إن كان الكلام خبريا إلا الشرط ، كما أن المفعول - مثلا - من حيث هو لا يحتمل صدقا ولا كذبا ، وليس هنا حكم بلزوم الجزاء للشرط ، ولذلك يصح أن يكون الجزاء إنشاء إذ لا لزوم بين الإنشاء من حيث هو إنشاء ، وبين الشرط ؛ لأن الإنشاء وقت التكلم ، والشرط المتصل بأن - مثلا - استقبالى ، وعلى هذا فأهل العربية استعملوا قط قضية حكموا فيها باللزوم بالقصد الذاتي ، فإن كان ثم لزوم بين الشرط والجزاء ، فهو اتفاقي غير مقصود ، كما يتفق استلزام الفعل لوقت مخصوص ، أو لمفعول مخصوص - مثلا - والثاني : من الاعتبارين أن الجزاء والشرط أخرجتهما الأداة معا عن احتمال الصدق والكذب ، وليس حكم الجزاء هو المعتبر في القضية لذلك الاحتمال ، بل المعتبر اللزوم بينهما حقيقيا ، أو اتفاقيا ، فمتى ثبت اللزوم بين الجزاء والشرط ، صدقت القضية ، ولو لم يقع واحد منهما ، فإذا قيل : كلما جئتني أكرمتك - وكان ثم ربط بين المجيء والإكرام - صدقت القضية ، ولو لم يجئ ، ولم يكرم ، وهذا الاعتبار منطقي ، فتقرر بهذا أن الحكم في الاعتبار الأول في قولنا : إن جئتني أكرمتك ، إنما هو ثبوت الإكرام وقت المجيء المفاد بالشرط ، فالشرط قيد فيه كسائر الفضلات ، والحكم في الاعتبار الثاني إنما هو ثبوت اللزوم بين المجيء والإكرام ، حتى إنك إذا قلت : إن جاءك زيد فأكرمه ، فالمراد إثبات اللزوم بين المجيء والأمر بالإكرام ، ولو كانت صورة الجزاء إنشاء ، وقد تبين بما ذكر الفرق بين الاعتبارين ، وورد على أن اعتبار النحويين مخالف بما ذكر ؛ لاعتبار المنطقيين أنه إذا قيل - مثلا - إن جاءك زيد فقد أحسن يكون كذبا عند أهل العربية متى لم يجئ ، ولو ثبت الربط بين المجيء والإحسان في نفس الأمر ؛ وذلك لأن الحكم المقيد بقيد
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 321 | ابن يعقوب المغربي / خليل إبراهيم خليل