والناطق بمثل : لا يتبلّد فيفقد كريم الشعور ، يريد أمرين معا ؛ هما :
عدم التّبلّد ، وما يترتب عليه من عدم فقد الشعور الكريم ؛ فكأنه يقول : لا يتبلّد ، وعدم تبلّده يؤدى إلى عدم فقده الشعور الكريم ، أي : لا يتبلّد فلا يفقد كريم الشعور . . . فما بعد الفاء مسبب عما قبلها . وكلاهما منفى هنا أيضا .
والناطق بمثل : لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود . . . يريد الأمرين ، عدم إنكار الفضل ، وما يؤدى إليه من عدم الاتهام بالجحود . ومثل هذا يقال في الشطر الثاني من المثال .
والناطق بمثل : لا تصاحب غادرا فينالك غدره . . . يريد أمرين معا ؛ النهى عن مصاحبة الغادر ، وبيان ما يترتب على مصاحبته من الإصابة بغدره . ومثل هذا يقال في بقية المثال .
والناطق بمثل : أتعرف لنفسك حقها ؛ فتصونها عن الهوان ؟ يريد أمرين ؛ سؤال المخاطب عن معرفته حق نفسه ، وبيان ما تؤدى إليه هذه المعرفة . كما يسأله عن إدراكه حقيقة الكبر والضعة ، وبيان ما يترتب على هذا الإدراك . . .
فنلحظ في كل الأمثلة السالفة - وأشباهها - أن « الفاء » تتوسط أمرين السابق منهما ، هو « العلة » أو « السبب » في المتأخر الذي يليها ، ولهذا سميت :
« فاء السببية » ، أي : « الفاء » التي معناها الدلالة على أن ما بعدها مسببب عما قبلها ، ولا بد - هنا - أن يليها مضارع منصوب .
كما نلحظ شيئا آخر ؛ هو : دلالتها على « الجواب » « 1 » والمراد من دلالتها على الجواب أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ترّتب الجواب على السؤال ؛ سواء أكان ما قبلها مشتملا على استفهام ؛ كالمثال الرابع ، أم غير مشتمل عليه ، كبقية الأمثلة . ولهذا توصف بأنها : « الجوابية « 1 » » أي : التي تدل على أن ما بعدها
هامش
( 1 و 1 ) سبق الإيضاح الوافي لمعنى : « الجواب » ، وتحديد الغرض منه عند الكلام على « إذن » الناصبة ، ص 290 ؛ فأمر الجواب هنا وهناك واحد . أما المعنى والعمل فمختلفان من نواح متعددة . ويزيد النحاة هنا : أن « فاء السببية » لا بد أن يسبقها نفى محض أو طلب ( أو ملحق بهما ، كما هو مبين في عملها في الصفحة التالية ) وكلاهما يشبه الشرط في أن مضمونه غير محقق الوقوع ولا مقطوع بحصوله ، وما بعد الفاء مسبب عما قبلها ؛ كتسبب جواب الشرط على فعل الشرط .
هذا ، والعدول عن العطف المحض بالفاء إلى العطف مع نصب المضارع بأن المضمرة وجوبا هو الذي يدل على التسبب .