ما ينقض معناه ، مثل : « إلّا » الاستثنائية التي تنقض النفي « 1 » ، ومثل نفى آخر بعده يزيل أثره ، ويجعل الكلام مثبتا ؛ لأن نفى النفي إثبات ، كما هو معروف .
ومن أمثلة النفي المحض : لا يسقط المطر في الصحراء فينبت الكلأ . . . وكذا الأمثلة التي تقدمت في أول البحث .
فإن نقض النفي بإلا الاستثنائية ، وكانت قبل فاء السببية ، لم يصح نصب المضارع ووجب رفعه ، على اعتبار هذه الفاء للاستئناف ، أو للعطف المجرد « 2 » ، وليست للسببية ؛ نحو : لا يشاهد الخبير أعمالا إلا المشروعات العظيمة ؛ فيعلن رأيه فيها - لم أشتر مطبوعات إلا الكتب النافعة ؛ فأستوعبها - ما اكتسبت غنى إلا المال الحلال فأنفقه .
أمّا إن نقض النفي « بإلا » الاستثنائية ، وكانت بعد الفاء والمضارع . . .
فيجوز في المضارع الرفع والنصب « 3 » ؛ نحو : لا يشاهد الخبير أعمالا فيعلن رأيه فيها إلا المشروعات العظيمة - لم أشتر مطبوعات فأستوعبها إلا الكتب النافعة - ما اكتسبت مالا فأنفقه إلا المال الحال . وقول الشاعر :
وما قام منا قائم في نديّنا * فينطق إلا بالتي هي أعرف « 4 »
فيجوز في كل هذه الأفعال المضارعة - ونظائرها - الرفع والنصب « 5 » . . .
ومثال نقض النفي بنفي آخر يتلوه فيزيل أثره : ما تزال تحسن المعاملة فتكتسب حبّ الناس . فقد وقع بعد « ما » النافية نفى آخر هو « تزال » فانقلب المعنى مثبتا بسببه ، وفي هذه الصورة يجب رفع المضارع ، ولا يصح نصبه .
هامش
( 1 ) وهي تنقض النهى أيضا - كما سيجئ عند الكلام عليه في ص 346 .
( 2 ) وكلاهما يعينه المقام ، وما يقتضيه المعنى .
( 3 ) هذا عند سيبويه ومن وافقه . أما ابن مالك وموافقوه ، فيوجبون الرفع . وفي رأى سيبويه تيسير يدعو لتفضيله .
( 4 ) أحسن وأفضل .
( 5 ) وينبنى على نقض النفي « بإلا » قبل « الفاء » ، أو بعدها ما يأتي : إذا قلت : ما زارني أحد إلا الوالد فأكرمه - . . فإن كان الضمير ( الهاء ) عائدا على : « أحد » جاز رفع المضارع أو نصبه ؛ لوقوع النقض بعد « الفاء » وما دخلت عليه ، والأصل : ما زارني أحد فأكرمه إلا الوالد . وإن كان الضمير عائدا على « الوالد » وجب الرفع ؛ لوقوع النقض قبل « الفاء » وما دخلت عليه .