تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
ما يلي « حتى » ) متأخر في زمنه عما سبقها . . . وبسبب هذا التأخر كان مستقبلا بالنسبة للسابق ، من غير حكاية حال ماضية ، ولا تخيل إرجاعها . ومن الأمثلة أيضا قول مؤرخ آخر : ( استطاع المسلمون الأوائل فتح فارس . والشام ، ومصر ، في شهور قلائل ؛ لأن سلطان العقيدة غلب كل سلطان آخر ، فوهب الرجل منهم نفسه للقتال حتى ينتصر أو يموت شهيدا ، لا يعرف التردد ، ولا الفرار ، ولا الخيانة . وخاض المعركة حتى يبلغ أمنيته في النصر أو الاستشهاد . . . ) فالمعنى قبل « حتى » - وهو : الهبة للقتال - قد مضى وانتهى . وكذلك المعنى بعدها ؛ وهو : النصر ، أو الموت . إلا أن الهبة أسبق في مضىّ زمنها ؛ ولذا يعد الثاني - وهو المتأخر في زمن انقضائه - مستقبلا بالنسبة للأسبق . ومثل هذا يقال في خوض المعركة ، وفي بلوغ الأمنية ، فكلاهما ماضي المعنى قد فات وقته حقّا ، إلا أن خوض المعركة أسبق في المضي من بلوغ الأمنية ، فكان بلوغ الأمنية - بسبب تأخر زمنه - مستقبلا بالنسبة لخوض المعركة . وجواز الرفع والنصب في هذه الحالة وأشباهها قائم على أساس التأويل ؛ فالرفع على تخيل زمن المضارع حالا مؤولة افتراضا ، من غير حكاية ؛ لأن المضارع الذي للحال المحكية يجب رفعه - كما تقدم « 1 » - والنصب إما على اعتباره مستقبلا بالنسبة للمعنى الذي قبل « حتى » ، لا بالنسبة لزمن التكلم . وإما على اعتبار العزم والنية على تحقيق معنى المضارع قبل وقوع معناه . وفي صورة رفعه تكون « حتى » ابتدائية ، وفي صورة نصبه تكون جارة والمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا - كما أسلفنا - ومن الخير عدم استعمال هذه الصورة القليلة التي يصح فيها الأمران « 1 » ، وإهمالها قدر الاستطاعة . * * *
هامش
( 1 و 1 ) التفرقة دقيقة بين هذه الصورة والحال المؤولة ؛ ولهذا اعتبرهما - بحق - فريق من النحاة شيئا واحدا ، وخالف بعض المحققين : بأن حكاية الحال المؤولة توجب الرفع ، وتفيد معنى هاما لا يستفاد من غيرها - وقد شرحناه في الصفحات الماضية ( كالذي في رقم 4 من هامش ص 323 ) . . - أما تأويل المضارع الذي ليس للحال بالحال من غير قصد حكاية فيجيز الأمرين ويفيد المعنى نوع تقوية يجعله قريبا من المحكى في أنه بمنزلة الأمر المحقق الآن . وفي كل هذا تشعيب وتكلف يجعل الرأي الذي يرفض هذا النوع هو الرأي الأنسب ، بالرغم من صحة الرأي الآخر .