يعني بعد هذه الأشياء الخمسة ، لأنّ وزانها في المجزوم وزان المنصوب بعد « حتّى » وأخواته ، فكان جائزا أن يعدل به إلى جهة أخرى من الإعراب ، وتلك الجهة الرّفع على الصفة إن كان قبله ما يصلح وصفا له ، أو على الحال إن كان كذلك ، أو على الاستئناف ، وقد تقدّر الثلاثة ، وقد يقدّر اثنان منها ، ومثّل بقوله تعالى :
فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي
« 1 » ، فهذا يجوز فيه الجزم على الجواب ، والرّفع على الصفة أو الاستئناف « 2 » ، وبقوله تعالى :
ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
« 3 » ، وهذا ظاهر في الحال ، لأنّ المعنى : ذرهم على هذه الحالة التي هم عليها ، ولا يبعد أن يكون استئنافا إخبارا بلعبهم على جهة الاستئناف ، ومثّل في القطع بقوله : « لا تذهب به تغلب عليه » ، وهو ما لا يجوز فيه إلّا الرّفع ، لأنّ الجزم لا يستقيم ، إذ يصير المعنى : فإنّك إن لا تذهب به تغلب عليه ، وهو عكس المعنى ، فيصير مثل « لا تدن من الأسد يأكلك » . والرّفع على الحال غير مستقيم ، إذ يصير المعنى : لا تذهب به في حال كونك مغلوبا عليه ، والغرض الإخبار بالغلبة بعد الذهاب لا النّهي عن الذّهاب في حال الغلبة ، فإن قلت : اجعله حالا مقدّرة فهو أيضا ضعيف من جهة أنّ الغرض الإخبار بأنّك تغلب عليه إذا ذهبت به ، وإذا / جعلته حالا كان نهيا عن الذهاب في حال كونك مقدّرا غلبتك ، وهما معنيان مختلفان .
وقوله : « قم يدعوك » .
أيضا الوجه فيه الرّفع على القطع ، لأنّ المراد بذكر « يدعوك » تعليل الأمر بالقيام ، فلا يحسن جعله مجزوما لئلّا ينعكس المعنى ، إذ يصير القيام سببا للدّعاء ، وهو عكس المعنى ، ولا يسقيم أن يكون حالا لئلّا يفوت معنى التعليل المذكور ، فتعيّن القطع ليحصل المعنى المراد ، ومنه بيت الكتاب « 4 » :
هامش
( 1 ) مريم : 19 / 5 - 6 ، والآيتانفَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا( 6 ) .
( 2 ) انظر إعراب القرآن للنحاس : 3 / 6 - 7 .
( 3 ) الأنعام : 6 / 91
( 4 ) البيت بتمامه :وقال رائدهم أرسوا نزاولها * فكلّ حتف امرئ يمضي لمقدارنسب في الكتاب : 3 / 96 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 7 / 51 إلى الأخطل ، وليس في ديوانه ، وذكر البغدادي نسبته إلى الأخطل وأنه لم يجده في ديوانه ، انظر الخزانة : 3 / 659 - 660 .
قوله : أرسوا أي أقيموا ، ونزاولها : مضارع زاول الشيء أي حاوله وعالجه ، والضمير في نزاولها قد يعود إلى الحرب أو إلى الخمرة ، انظر شرح المفصل لابن يعيش : 7 / 52 ، والخزانة : 3 / 659 - 660