أمّا وجوب تأخّره فلأنّها لإنشاء التقليل ، وكلّ ما وضع للإنشاء فموضعه صدر الكلام ، فلذلك وجب لها صدر الكلام ، فوجب تأخّر « 1 » الفعل ، وأمّا حذفه فلأنّ المعنى فيه معلوم ، وما كان هذا وضعه من الأفعال في مواضع معلومة كان محذوفا كما في قولك : « زيد في الدّار » ، وقيل « 2 » : إنّما حذف متعلّقها لأنّها لا تقع إلّا جوابا « 3 » ، فكان متعلّقها معلوما فاستغنى عنه بقرينة ما تقدّم كما استغني عن متعلّق بسم اللّه بقرائن الحال ، ولعلّ المصنّف أشار إلى ذلك بقوله : « كما حذف مع الباء في بسم اللّه » ، ولذلك لّما قدّره ملفوظا به قدّره ب « لقيت » ، فدلّ ذلك على أنّ غرضه تشبيهه ببسم اللّه ، قال الأعشى « 4 » :
ربّ رفد هرقته ذلك اليو * م وأسرى من معشر أقيال
فحكم على أنّ « هرقته » ليس بمتعلّق لربّ لبقاء المجرور بغير صفة ، وهو غير مستقيم ، فوجب جعله صفة ، وإذا وجب جعله صفة لم يبق المتعلّق إلّا محذوفا .
قوله : « ومنها أنّ فعلها يجب أن يكون ماضيا » ، وإنّما كان كذلك لأنّها لتقليل ما ثبت ، فلذلك لم يستقم أن يكون « 5 » الفعل إلّا ماضيا ، ولا يرد على ذلك مثل قولهم : « ربّ رجل يسافر غدا » ، فإنّ ذلك ليس هو الفعل المتعلّق ، وكذلك قوله تعالى :
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 6 » ، فإنّه ليس الفعل المتعلّق « 7 » .
قوله : « ولا يجوز سألقى أو لألقينّ » .
أمّا « لألقينّ » فظاهر لتعذّر كونها صفة ، وأمّا « سألقى » فلا بعد فيه ، ويكون صفة ، وإنّما
هامش
( 1 ) في ط : « فموضعه صدر الكلام أما وجوب تأخر . . . » . خطأ .
( 2 ) في د : « وقد قيل » .
( 3 ) ممن قال بهذا ابن يعيش في شرحه للمفصل : 8 / 29 ، وانظر ارتشاف الضرب : 2 / 459 - 460 ، والجنى الداني : 453 - 454 .
( 4 ) البيت في ديوانه : 13 ، وشرح المفصل لابن يعيش : 8 / 29 ، والمقاصد للعيني : 3 / 251 ، والخزانة : 4 / 176 .
والرّفد بفتح الراء : القدح الضخم ، وأسرى جمع أسير ، والمعشر : الجماعة ، وأقيال : جمع قيل بفتح القاف مخفف كسيد وهو الملك ، الخزانة : 4 / 177 .
( 5 ) سقط من ط : « أن يكون » .
( 6 ) الحجر : 15 / 2 ، وتتمة الآية :لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ .( 7 ) انظر تخريج مجيء المضارع في الآية بعد « ربّما » في أمالي ابن الشجري : 2 / 244 .