وإنّما فصله من ذلك لأنّه مخالف له من وجه آخر ، وذلك أنّ المعاني الأول كلّها يمكن أن يتمرّن عليها لتحصل بعد أن لم تكن ، لأنّ الإنسان قد يمرّن نفسه على الحلم والمروءة والصّبر حتّى يحصل ذلك ، ولا يمكن ذلك في مثل : تقيّس وتنزّر ، فإنّه إذا لم يكن من هذه القبيلة لا يكون منها أبدا ، وإنّما أدخل فيه لأنّ الغرض استعمال ذلك ليحصل عند النّاس اعتقاد ذلك ، فلمّا كان الغرض من الأمرين حصول ذلك معتقدا أجراهما مجرى واحدا ، فقد ظهر الفرق بينهما .
قال : « وبمعنى استفعل » .
الظّاهر أنّه أراد « بمعنى استفعل » أصل معنى استفعل ، وأصل معناه طلب ذلك الفعل ، كقولك : استعلم واستعطى ، أي : طلب / العلم والعطاء ، ثمّ مثّل بتكبّر وتعظّم وتعجّل الشيء وتيقّنه ، كأنّه طلب الكبر من نفسه والعظمة ، كقولهم في استفعل : استخرجته أي : لم أزل أطلب خروجه من نفسي حتّى خرج ، وأمّا تعجّل فظاهر ، وتيقّنه كتكبّر ، كأنّه طلب التّيقّن « 1 » من نفسه حتى حصل ، فلذلك يطلق « تيقّن » في موضع « علم » ، و « تقصّاه » ، و « تبيّنه » مثل « تيقّنه » ، لأنّ الطّلب من نفسه « 2 » ، ويجوز أن يكون تقصّاه واستقصاه بمعنى طلب غايته وأقصاه من غيره أيضا ، فيكون على الأصل في معنى استفعل من غير تأويل .
« وللعمل بعد العمل في مهلة » ، نحو تجرّعه ، أي : شربه جرعة بعد جرعة ، وتحسّاه أي :
حسوة بعد حسوة « 3 » ، وتعرّقه أي : أخذ ما عليه « 4 » من اللّحم شيئا بعد شيء « 5 » ، وتفوّقه إذا « 6 » :
شربه فواقا بعد فواق « 7 » ، ومنه تفهّم وتبصّر وتسمّع ، كأنّه حصل له فهمه شيئا بعد شيء .
« وبمعنى اتّخاذ الشيء ، نحو : تديّرت المكان » أي : اتّخذته دارا ، و « توسّدت التّراب » أي :
هامش
( 1 ) في د . ط : « اليقين » .
( 2 ) بعدها في الأصل : « بعده » وبعدها في ط : « بعد العمل » ، وكلاهما مقحم ، لأن المراد أن الطلب واقع من نفسه لا من غيره ، وانظر عبارة الشارح بعد قليل .
( 3 ) « حسا الطائر الماء : وهو كالشّرب للإنسان » . اللسان ( حسا ) و « الحسوة بالضم : الشيء القليل » القاموس ( حسا ) .
( 4 ) سقط من د : « أي : أخذ ما عليه » . خطأ .
( 5 ) « عرق العظم عرقا ومعرقا كمقعد أكل ما عليه من اللّحم كتعرّقه » القاموس ( عرق ) .
( 6 ) في د : « أي » .
( 7 ) « فوّق السّهم جعل له فوقا والفصيل سقاه اللّبن فواقا وفواقا . . . وتفوّق ترفّع والفصيل شرب اللّبن فواقا فواقا » . القاموس ( فوق ) .