. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
وأما الآيتان الشريفتان فقد ذكر المعربون ( 1 ) أن حرف الجر يقدر فيها التقدير : وما لنا في أن لا نقاتل في سبيل الله ، وما لكم في أن لا تنفقوا في سبيل الله ، وللمصنف تخريج أحسن من هذا وهو أن وَما لَنا ( 2 ) ضمّن معنى : وما منعنا ؛ ف « أن » مصدرية لا زائدة التقدير : وما منعنا أن لا نقاتل ( 3 ) .
الحكم الثالث : أن « أن » الناصبة للفعل قد علمت أنها لا تقع بعد أفعال العلم وإن وقعت بعد علم وجب تأويل العلم بغيره ، لكن خالف في ذلك الفراء وابن الأنباري فأجازا ( 4 ) وقوعها بعد العلم دون تأويل ، قالا : فيجوز أن يقال : علمت أن يقوم زيد بالنصب دون تأويل « علمت » ، والجمهور ( 5 ) على خلاف [ 5 / 98 ] ما قالا ، ومستندهم أن « أن » إذا
كانت المخففة فهي للتوكيد ، فيناسب معناها معنى الفعل الذي يقتضي تأكيد الشيء وثبوته واستقراره ، وإذا كانت الناصبة للفعل فهي لا تقرن إلا بما ليس بمستقر ولا ثابت ؛ لأنها إنما بابها أن تدخل على ما هو مستقبل ، وإنما دخلت على الماضي من جهة مشاركته للمستقبل في أنه ليس بثابت في الحال لتقضيه ، كما أن المستقبل ليس بثابت لعدم وقوعه ، فكذلك لم تقع معمولا إلا للأفعال التي تقتضي التحقيق ، هكذا عللوا هذه المسألة ( 6 ) ، وهو تعليل إقناعي .
وقد استدل الفراء وابن الأنباري على ما ذهبا إليه بقراءة ( 7 ) مجاهد ( 8 ) : ( أفلا يرون ألّا يرجع إليهم قولا ) وبقول الشاعر : -
هامش
( 1 ) انظر : البيان في غريب إعراب القرآن للأنباري ( 1 / 165 ) ، والتبيان للعكبري ( 196 ) .
( 2 ) سورة البقرة : 246 .
( 3 ) انظر : شرح الكافية الشافية ( 2 / 615 ) ، ومعاني القرآن ( 1 / 128 ، 192 ) ، وانظر المغني ( ص 34 ) وقال ابن هشام : « وفيه نظر لأنه لم يثبت إعمال الجار والمجرور في المفعول به ولأن الأصل أن لا تكون لا زائدة ، والصواب قول بعضهم : إن الأصل : وما لنا في أن لا نفعل كذا » .
( 4 ) انظر : شرح التسهيل لبدر الدين ( 4 / 12 ) والأشموني ( 3 / 282 ) .
( 5 ) انظر : الأشموني ( 3 / 282 ) .
( 6 ) انظر : حاشية الصبان ( 3 / 282 ، 283 ) .
( 7 ) في التبيان للعكبري ( ص 901 ) : « وقد قرئ ( يرجع ) بالنصب على أن تكون أن الناصبة وهو ضعيف لأنّ يرجع من أفعال اليقين » ، وانظر : الأشموني ( 3 / 282 ) .
( 8 ) مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي ، ومولى بني مخزوم ، تابعي مفسر من أهل مكة ، قال الذهبي :
شيخ القراء والمفسرين ، أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات ، يقال : إنه مات وهو ساجد سنة ( 104 ه - ) . وطبقات القراء ( 2 / 41 ) ، والأعلام ( 5 / 278 ) .