على الأرجل بل على الأحداق ، قد نشر في علم البديع علمها فما انطوى ، وتطلّعت من بيوتها سكّان المعاني كأنّها تنظر من ميمات الرويّ في كوى ، وكأنّما تلك الميم نغر صدر عن منهل الفصاحة رويّا ، أو خاتم طبع به على ما في تلك البيوت من ذخائر الأدب / وأحسن بها حليّا ، أو هالة بدر طلع في فلك البراعة ، أو عروة تمسّك بها رجال هذه الصناعة ، أو عين تحدّق إلى وجوه المعاني الحسان ، أو تفجّر من ينابيع البلاغة بما يحلّي اللسان ، أو مشكاة سطعت في كلّ بيت أنوارها ، أو جام دارت به راح الأدب ، فلذّ إسكارها ، فحيّا اللّه بديعيّة أسرت الأقلام لتقريظها ، فحبّرت الطروس ، ورأت أن هذا مقام يطلب فيه الأدب ، فسعت على الرؤوس ، قد نفحت في ألفاظها أرواح معان لو عارضها ابن ممّاتي للقي شدّة الممات ، وأخرجت من بحر البسيط دررا لو وازنها المعرّي لخاض من عماه في بحر الظلمات ، ودقّت معانيها فجلّ ما فتح لها في أبواب البديع من المزايا ، وجهّزت جيش البلاغة فلا تعبأ بالحلّيّ ، ولو انتصر من أبيه بسرايا ، فكيف بقاء الصفيّ المذكور بكدره ، أو الأعمى مع فساد نظره ، أو العزّ الموصليّ ، وقد باء بالذلّ لتعقيد تركيبه وقلقه ، وقيّدت سلاسل حروفها إلى مصرعه ، وكانت ميم الرويّ غلّا لعنقه ، هذا ولو شاهدها الخليع لتمزّق في حبّها ، أو الببغاء لسقط على نقط سطورها يلتقط من حبّها ، أو ابن اللبّانة ، لقال :
هذه زبدة البلاغة / أو ابن الصائغ لقال : هذا خاتم بهذه الصناعة ، وهكذا تكون الصياغة ، وما ذا عسى أن أقول ، ولو وفّقت لوقفت عن التقريض ، وقعدت عن القول فقد أوقعني في الطويل العريض ، لسان المرء ينبئ عن حجاه ، وعيّ المرء يستره السكوت ، لكنّي أمرت فذهلت ، والأمر المهول نقيض بالذهول ، وأوجب عليّ عقد المحبّة أن أمتثل فقابلت بالإيجاب والقبول ، ووجدت مكان القول ذا سعة إلّا أنّ العبارة ضيّقة ، والفكرة بلباس العجز متردّية على أنّها بأسباب الحوادث منخنقة ، والزمن قد كادني بسهام أوتاره المصيبة ورماني بأنكاد ، بعد أن كاد ، وأسياف الخطوب ليس لها إلّا الجوانح أغماد ، وبلد ذهني مع أنّي أصبحت ذكيّا بمداه ، وسألته كفّ العنان عن الأعيان ، فما قصّر عن مداه ، أستغفر اللّه فإنّي دعوته الآن ، فلم أكن بدعائه شقيّا ، وأغضيت عن زلّاته حيث هداني لسيّد أراه على كلّ حال تقيّا ، فهو واللّه إمام العصر وما تمّ إلّا التسليم ، وبديع الزمان الذي جمع المحاسن ، وقسمها على كلامه ، فأبدع في الجمع والتقسيم ، وحسنة الدهر الذي محا جميع سيّئاته ،
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 294
مساهمون: كوكب دياب
ص٢٩٤