تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
القاضي الفاضل بموجبه ، وغوصا على المعاني لا يخرج الدرر إلّا كبارا ، ونظما تفديه العقود بحبّاتها إجلالا له وإكبارا ، ونثرا جاءت رسالاته معجزة باهرة ، وآمنت الأدباء / ببلاغته الخارقة العادة ، فلا كرامة للفئة الكافرة ؛ وسلاسة طبع أشهى من العذب الزلال ، وسحر بيان عقد ألسنة المذعنين ، وهذا هو السحر الحلال ، حرس اللّه به ربع البلاغة في مصر وحماة ، وأقام به عمود الشعر في الفسطاط ، فمدّ أسبابه ومنع حماه ، فأطلع كواكب ألفاظه السيّارة بفلك البراعة جواري قد نجمت ، واستخدمها بين بنات فكره ، فأذعنت للاستخدام وقدمت ، وجلتها على الأفهام عرائس ، وحلّتها من جواهر البديع بنفائس ، فأنّى يقاوم ابن الرومي بعجمته هذه العربية الأنساب ، أو يطمع مهيار وهو من الموالي في كفاءة هذه الفصاحة ، وهي الشريفة الأحساب ، فلو رآه ديك الجنّ الحمصيّ لخفض جناحه ، وانتبه من سنة الغفلة مذعورا يكرّر صياحه ، ويحقّق أن العرف شاهد بفضيحة مثله ، وعلم أنّ هذا الإمام هو صاحب الوقت فأذن بفضله ، ولو أدركه الورّاق لطوى من صحائف حسناته ما انتشر ، وأخذ البيعة على القلوب لطاعة أبي بكر ولا ينكر ذلك من عمر ، ويستضاء من أفلاك نظمه ونثره بالقمرين ، واهتدى في طرق البلاغة إلى حسن السيرة خلفه ، فناهيك بسيرة العمرين ، ولو رأى زهير رياض هذه الآداب لصوّب تصغير نفسه ، أو ابن المشدّ لقام في خدمة ديوانها بعصا القلم ، وفخر بذلك على أبناء جنسه ، ولو رآه ابن نباتة لتوارى وظهر عجزه ، ولم ينتفع بتواريه ، وكسد شعره في سوق الرقيق فلا من يسومه ولا من يشتريه ، على أنه لو لم يكن لهذا الإمام ، أبقاه اللّه ، إلّا هذه البديعية لكفاه فضلا ، ولأوجب ذلك له في ذمّة الشكر ديونا لا تستطيع غرماء / الأفكار أن توفّها * [ توفّيها ] أصلا ، فريدة لا يزال حاسدها في نقص ، وحسنها في ازدياد ، ومستعرض سطورها يجد في نفسه عظمة الملك إذا عرضت عليه بالعشيّ معانيها الجياد ، حسناء أشرقت أنوارها فكاد ينظر محاسنها الأعمى ، ورامت الأفكار أن تساميها ، وأنّى ذلك وبنت أبي بكر « أسماه » سابقة لا تجاريها بميدان براعتها الفحول ، غزالها من إشراق معانيها وميمات قوافيها غرر واضحة وحجول ، ذات مقاطع لم ينسج على منوالها ، ولا حاك في الصدر أن يسمح الدهر بمثالها ، فمن أين للحريري أن يأتي بمثل بزّها الرفيع ، وهيهات هيهات أن يصل إلى مثل وشيها البديع ؛ كأنّما سطورها درجات يتسنّم فيها السان الناظر إلى بديع الطباق ، أو طرق تسافر فيها اللحظات إلى حدائق الأدب لا