ودر لحكم زمان كلّما دار ، وصير الناس إن صحبهم سكنا ودارهم ، فلبيب القوم من دارى إلى نصرهم وما أظنّ هذا الجزار إلّا قاصرا على الاستعار » .
هذا ما كتبته بخطّي حين طالعتها ، وأنا الفقير مصطفى بن محمد البرهاني الداغستاني سنة 1232 ه . ، في ربيع الثاني » .
هذا بالإضافة إلى تقاريظ ومآخذ أخرى ، قد وردت مبثوثة في ثنايا هذه الدراسة ، أثناء الكلام على قيمة هذه الخزانة ، وأثرها في الأدب والنقد والبلاغة « 1 » .
ويبقى ل « تقديم أبي بكر » و « شرحه » مآخذ معدودة ، لعلّ أهمّها ما نلاحظه على ابن حجة من عدم تورّعه عن ذكر بعض الشواهد الشعرية الفاحشة ، التي يجدر بأرباب الأقلام والأدب أن يربئوا بأنفسهم عن ذكرها أو التلفّظ بها ، ولا سيّما إذا عرفنا أن ابن حجّة كان قادرا على أن يأتي ببديل عنها ، إذ جاء بها للتمثيل على الأنواع البديعية ، وكيف له أن يستشهد بمثل تلك الأشعار في شرحه ، وهو الذي وضع للبديعية قواعد وشروطا في « الأدب والاحتشام » لكونها مديحا نبويّا ؟ وهو القائل :
« . . . إن الغزل الذي يصدّر به المديح النبويّ ، يتعيّن على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدّب ويتضاءل ويتشبّب ، مطربا بذكر « سلع » و « رامة » و . . . ويطرح ذكر محاسن المرد ، والتغزّل في ثقل الردف . . . وبياض الساق وحمرة الخدّ . . . وقلّ من يسلك هذا الطريق من أهل الأدب » « 2 » . وهل يعني ذلك أنّ على الناظم أن يحسن أدبه في نظمه للبديعية ، ويترك الأدب والاحتشام والتعفّف في « شرحه لها » ؟ !
وما يلاحظ في « شرحه » أيضا ظاهرة الإطالة في الشرح ، التي قد تبلغ أحيانا حدّ الملل ، وإن كان يبرّر بين الحين والآخر ورود مثل هذه الإطالة التي كان يتحاشى الوقوع فيها ؛ وحسبك أن تنظر في شرحه لباب « التورية » لترى ما وصلت إليه من الإطالة والاستطراد . وليس هذا وحسب ، فقد طالعنا ابن حجة في خزانته بظاهرة أخرى ، هي ظاهرة « التكرار » ، فكثيرا ما تراه يكرّر البيت أكثر من مرّة ، في أكثر من موضع ، ولعلّ ذلك يعود لما يقتضيه الاستشهاد على النوع البديعيّ بأبيات ، يمكن
هامش
( 1 ) لم أذكر هذه التقاريظ والمآخذ هنا ، منعا للتكرار ، ولتراجع هذه في مكانها من البحث .
( 2 ) خزانة الأدب وغاية الأرب باب « براعة الاستهلال » 1 / 342 - 344 .