وما « كشف اللثام عن وجه التورية والاستخدام » إلّا نسخة ثانية لكراسة من كتابه الضخم « شرح تقديم أبي بكر » ، إذ تحدّث فيه عن التورية كنوع بديعيّ وأفرط في الحديث عنها ، ولعلّه فعل ذلك ليكشف عن وجه هذه الأنواع البلاغية ، وليؤكّد مناصرته لجماعة التورية على جماعة الجناس .
2 - ما قاله العلماء والنقّاد في « البديعية » و « شرحها » : ( تقاريظ ومآخذ ) :
سبق أن أشرت إلى أنّ « تقديم أبي بكر » و « شرحه المطوّل » قد حظيا بعناية أكثر مما حظيت به بديعية أخرى أو شرحها ، وكان لهما الأثر البالغ في من جاء بعد ابن حجّة من المشتغلين بالبلاغة والكتابة والنقد والأدب .
ويمكن القول : إنّ الذين اشتغلوا بالبلاغة من المتأخّرين كانوا فئتين : فئة أعجبت بصنيع ابن حجّة في نظمه لبديعيته وشرحها ، فقرنت اسمه في مؤلّفاتها بالثناء العطر ، والشكر الطيّب « 1 » ؛ وفئة أخرى رأت في صنيعه هذا اجترارا لفنّ البديعيات ، إذ اشتغل فيه الكثيرون قبله ، ولم يكن له فضل فيه ، بل راحوا ينسبون إليه إساءة الأدب تجاه من سبقوه في هذا الفنّ ، وذلك لاعتزازه وفخره بنفسه والتبجّح بصنيعه .
أمّا المعجبون فمنهم جلال الدين السيوطيّ ، إذ وجد في بديعية ابن حجّة وشرحها أفضل مثال يحتذى ، فعمد إلى أن يدلي بدلوه في هذا الفنّ ، فنّ البديعيات ، متّخذا من « تقديم أبي بكر » و « شرحه » مرجعا له فكان له « نظم البديع في مدح خير شفيع » . كما أنّ الأديبة الشاعرة عائشة الباعونية ، وهي من معاصري السيوطيّ ، قد أعجبت بشرح ابن حجّة على بديعيته ، فاعتمدت عليه في شرح كتابها المسمّى « الفتح المبين في مدح الأمين » ، وراحت تنقل عنه بعض التعريفات والشواهد بأمانة مصرّحة بهذا النقل فتقول : قال العلّامة كذا . . . ، وعرّف العلّامة هذا النوع بكذا . . . ، وهي تقصد ب « العلّامة » ابن حجّة . ومن هؤلاء أيضا الأب بولس عوّاد ، وهو معاصر ، إذ طلبت منه إحدى المؤسّسات الكاثوليكية في بيروت أن يؤلّف كتابا في البديع ، فما كان منه ، لإعجابه ببديعية ابن حجّة ، إلّا أن يتّخذها عمدة لكتابه « العقد البديع في فنّ البديع » ، فأخذ أبياتها بيتا بيتا وشرحها بأسلوب معاصر ، وشواهد معاصرة .
وأمّا الفئة التي لم يعجبها صنيع ابن حجّة في « تقديمه » و « شرحه » ، فمنها
هامش
( 1 ) انظر في هذا أثر البديعية وشرحها في الأدب ، وقد سبق الكلام عليه .