( البيان والمعاني والبديع ) ، وانقسامها ، عبر مراحل تطوّر علم البلاغة . وما إن جاء القرن السابع الهجريّ حتى تمّ انفصال هذا الفنّ « البديع » واستقلاله تماما عن علمي « المعاني » و « البيان » ، وذلك مع ظهور أوّل بديعية إلى الوجود على يد الحلّيّ ، إذ وأكبت هذا الانفصال على يد الخطيب القزوينيّ . ومن هنا كان ظهور بديعية ابن حجّة إلى جانب غيرها من البديعيات ، واشتمالها على فنون البديع عامّة دليلا مميّزا وواضحا في تأكيد انفصال هذا الفنّ عن علمي « البيان » و « المعاني » وإشاعة هذا الانفصال بين جمهور الناس ، رغم أنّهم أبقوا ضمن أنواع البديع على بعض فنون البيان ، كالتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية . وما أكّد هذه الظاهرة الانفصاليّة لهذا الفنّ « البديع » ترسيخ قواعده وتوضيح أنواعه وتحديدها من خلال شرح البديعية واقتصارها على فنون البديع المعروضة في ثناياها ، كما أنّ الإشارة إلى حياة هذا الفنّ ، منذ نشأته إلى زمن البديعيات ، في مقدّمات هذا الشرح وغيره ، ساعدت على استقلال فنّ « البديع » بنفسه ، وتوضيح معالمه ، وترسيخ أسسه ، وتحديد فنونه ، ونشر ذلك كلّه بين جمهور الناس ؛ فكان ظهور هذه البديعيّة إذا ، ومؤازرة ذاك الشرح لها ، وانتشارها كغيرها بين الناس ، أكبر مساعد على تأكيد تلك الظاهرة الانفصاليّة لهذا الفنّ .
3 - العودة بالبديع إلى المدرسة الأدبية :
لقد عرفت البلاغة العربية في مناهج بحثها الأولى اتجاهين واضحين ، فمن البلاغيين من سيطرت على كتبهم النزعة الأدبية ، ومنهم من سيطرت على كتبهم النزعة الفلسفيّة والعقليّة ، وكان نتيجة ذلك أن ظهرت مدرستان بلاغيّتان هما :
المدرسة الأدبية والمدرسة الكلامية ، وكان لكلّ من هاتين المدرستين خصائصها ومميّزاتها ورجالها الأعلام . أمّا المدرسة الأدبية ، والتي ينتمي إليها شرح ابن حجّة ، فلم تهتمّ بالتحديد والتقسيم للأنواع البديعية ، كما أنّها لم تعتمد على المنطق ومسائل الفلسفة ، بل كانت تستعمل المقاييس الفنيّة في الحكم على الأدب مع سهولة العبارة وسلاسة التركيب ووضوح الدّلالة ، والإكثار من الشواهد الشعريّة والنثريّة . وعلى العكس من ذلك كلّه كانت المدرسة الكلاميّة . واحتدم الصراع بين تينك المدرستين على يد علماء البلاغة منذ « بديع » ابن المعتزّ إلى « مفتاح » السكاكيّ ، وما إن ظهرت بديعية ابن حجة ، إلى جانب أخواتها من البديعيات ، بثوبها الشعريّ الطريف ، مزيّنة