وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة ، فصرت أعرب عن بناء كلّ بيت له على المناظرة طاقة ، فيحكم لي بالسبق ، وينقلني إلى غيره ، وقد صارت لي فكرة بإرشاده إلى الغايات سبّاقة ، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال ، وجاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع ، وهو من ذلك محلول العقال ، وسمّيتها « تقديم أبي بكر » علما أنّه لا يسمع من الحلّيّ والموصليّ في هذا « التقديم » مقال . وكان . . .
هو الذي مشى أمامي وأشار إلى هذا السّلوك وأرشد ، فاقتديت برأيه العالي ، وهل يقتدي أبو بكر بغير محمّد ؟ » « 1 » .
من هذه المقدّمة يبدو أنّ هدف ابن حجّة أن يجمع في بديعيّته ، محاسن البديعيّتين : محاسن بديعية الحلّيّ بما فيها من رقّة السحر الحلال ، ومحاسن فكرة الموصليّ بالتزام ذكر اسم النوع ، بالإضافة إلى محاسن بردة البوصيريّ ، وبناء على هذا وضع ابن حجّة نصب عينيه كلّا من البديعيّتين ، محاولا استبعاد كل المآخذ التي أخذت على كلّ منهما ، متّبعا في ذلك المنهج التالي :
أ - كان ينظم البيت البديعيّ في مدح الرسول ، ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وعلى بحر البسيط ، وقافية الميم المكسورة ، متضمّنا النوع البديعيّ مشيرا إلى اسم هذا النوع . وهذا الالتزام بكلّ هذه الشروط جعل ابن حجّة ينوء تحت وطأة هذه القيود الثقيلة ، إذ ليس من اليسير أبدا أن يوزّع الشاعر فكره وانتباهه إلى التوفيق بين عدّة عناصر قد تكون متعارضة أشدّ التعارض في بعض الأحيان ، وقد تحمل الشاعر على التخلّي عن بعض الشروط من أجل استيفاء بعض الشروط الأخرى ، إلّا أن محمد بن البارزيّ كان ينقّح له البديعيّة ، ويذكره دائما بالتزام الرقّة الحلّيّة ، ولهذا كان يأمره بهدم بيت أنفق في تشييده كثيرا من الجهد لخلوّه من الرقّة ، وهي من العناصر الخفيّة التي اشترط ابن البارزيّ توفّرها في القصيدة البديعية ، وغالبا ما كان ابن البارزيّ يقارن بين بيت بديعية ابن حجة وبيت بديعية الحلّيّ .
ب - أكثر ابن حجة من الشواهد في شرح بديعيّته ، فطاف بالقرآن الكريم والحديث النبويّ الشريف ، وأخذ منهما ما أمكنه أخذه ، كما عرّج على الشعر القديم ، وانتزع منه شواهد على النوع البديعيّ ، ثمّ عرّج بطريقه على شعر المولّدين
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 304 - 306 . .