تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
« البديعيّات » التي حملت في ثناياها أنواعا بديعية جديدة ، قد أخلّت بأنواع بديعيّة معروفة ، وهذا دليل واضح على شدّة بحث هؤلاء عن الجديد دون غيره أحيانا . وإذا ما نظرنا إلى هذا الجديد الذي أتت به البديعيات نرى صورة أوّلية لحياة البديع وأنواعه خلال سبعة قرون من عمر التراث البلاغيّ والأدبيّ ، كما نلمح صورة للمفهوم الذوقيّ والجماليّ والبلاغيّ في ذلك العصر ، بالإضافة إلى رسم صورة واضحة لمفهوم التقليد والمحافظة على القديم مع النزعة إلى التجديد عند جمهور الناس . هذه هي « البديعيات » بأثرها وقيمتها ، وإن كان البعض يرى أنّها قد خلت من أيّة قيمة أدبية رغم استبدادها بالشعر العربي منذ أواسط القرن السابع الهجري إلى القرن الرابع عشر ، فهي عند هؤلاء منذ أن ولدت ، إلى أن قضت ، صناعة من العبث ، أضعفت من الشعر ولغته ، وهدّت من قوّته ، وأزرت من مكانته ، وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل ، وهوت به إلى هاوية الإسفاف ، وجرّدته من روائعه وروعته . كما يرى البعض أنّها ذهبت بالبديع مذاهب التشعيب فعاد عليه بالضعة والهوان ، إذ اعتبرت ، وإن جهد العلماء في شرحها ، بابا لوصول البديع إلى ما وصل إليه من فقدان جماله ، بما نسب له ممّا لا يصحّ أن يكون منه ، فأكثروا منه إلى حدّ الإملال ، وقد غرست في كثير من الأذهان أن أنواع البديع لا يقف عند حدّ ، ومن هنا كتب عليها الإخفاق في ناحيتيها الأدبيّة والعلميّة ، فلم تصل إلى غايتها ولم تؤدّ رسالتها « 1 » . وفي الحقيقة أنّ البديعيات لم تكن شعر العصر كلّه ، ولم يقتصر الشعراء عليها ، ولم يسلك سبيلها إلّا من ملك ناحية التأليف وزمام القوافي ، وهم قليل ، فإذا عدّت البديعيات ، نجدها لا تبلغ المائة على مدى سبعة قرون كانت غزيرة الإنتاج من الناحية الشعرية ، وهل يمكن أن نحكم على شعر سبعة قرون من خلال بضعة وتسعين قصيدة لحوالي ثمانين شاعرا ، رغم أن نصوص أكثرها مفقود « 2 » ؟ ! ثمّ إن البديعيّات - كما في رأي علي أبو زيد - جاءت بفنّ جديد في الشعر
هامش
( 1 ) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 50 . ( 2 ) البديعيات في الأدب العربي ص 51 .