تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
فالإكثار من الشواهد ، منظومها ومنثورها ، والبحث عن كلّ ما يستجاد ويستملح منها ، والبحث عن مواطن الجمال فيها ، إنّما هو من خصائص المدرسة الأدبية ، مع تعريف النوع البديعيّ بأقصر عبارة وأوضح أسلوب ، وبهذا تكون البديعيّات قد عادت بالبديع إلى رياض الأدب وأحضان المدرسة الأدبية ، وخلّصته من قيود الفلسفة والمنطق والأحكام العقليّة الجافّة التي سيطرت على البلاغة منذ بداية القرن السادس الهجريّ إلى زمن ظهور البديعيات وشروحها « 1 » .

4 - استنباط أنواع بديعيّة جديدة :

لقد فتح ابن المعتزّ في كتابه « البديع » بابا لاستخراج أنواع جديدة من البلاغة عامة واستنباطها على مرّ الأيّام عندما قال : « ونحن الآن نذكر بعض محاسن الكلام والشعر ، ومحاسنها كثيرة لا ينبغي للعالم أن يدّعي الإحاطة بها . . . ويعلم الناظر أنّا اقتصرنا بالبديع على الفنون الخمسة اختبارا من غير جهل بمحاسن الكلام . . . فمن أحبّ أن يقتدي بنا ويقتصر بالبديع على تلك الخمسة فليفعل ، ومن أضاف من هذه المحاسن أو غيرها شيئا إلى البديع ، ولم يأت غير رأينا ، فله اختياره » « 2 » . وبذلك بدأ العلماء يبحثون عن أنواع جديدة ويرصدونها ويجرون وراء استنباطها وتسجيلها والفوز بقصبات السبق في ذلك « 3 » . ودأب أصحاب البديعيّات دأب هؤلاء ، وراحوا يبحثون عن أنواع جديدة يضيفونها إلى البديع ، مع العلم أن فاتح باب البديعيات ، صفي الدين الحليّ ، أحجم عن ذكر أيّ نوع جديد استنبطه في بديعيّته خوفا من ألسنة الحاسدين ، وقد أشار إلى ذلك بقوله : « ثمّ أخليتها من الأنواع التي اخترعتها ، واقتصرت على نظم الجملة التي جمعتها ، لأسلم من شقاق جاهل حاسد أو عالم معاند ، فمن شاقق راجعته إلى النقل ، ومن وافق وكلته إلى شاهد العقل » « 4 » . إلّا أنّ من تابع الحلّيّ في صنيعه ذاك لم يلتزم بما التزم به في قوله هذا ، بل لقد
هامش
( 1 ) البديع ص 58 . ( 2 ) انظر أواخر الفصل الأوّل من هذه الدراسة : « نشأة علم البديع وتطوره حتى زمن ابن حجة الحموي » ؛ وشرح الكافية البديعية ص 52 ، 53 . ( 3 ) شرح الكافية البديعية ص 55 . ( 4 ) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 263 .