والعقليّة ، وكان نتيجة ذلك أن ظهرت مدرستان بلاغيّتان هما : المدرسة الأدبية ، والمدرسة الكلامية ، أو كما يسمّيهما السيوطيّ : طريقة العرب والبلغاء ، وطريقة العجم وأهل الفلسفة ، وكان لكلّ من هاتين المدرستين خصائصها ومميزاتها ورجالها الأعلام « 1 » .
أمّا المدرسة الأدبية فلم تهتمّ بالتحديد والتقسيم للأنواع البديعية ، كما أنها لم تعتمد على المنطق ومسائل الفلسفة ، بل كانت تستعمل المقاييس الفنيّة في الحكم على الأدب مع سهولة العبارة وسلامة التركيب ووضوح الدّلالة ، والإكثار من الشواهد الشعريّة والنثريّة .
وعلى العكس منها كانت المدرسة الكلامية ، إذ كان للفلسفة والمنطق أثر كبير فيها ، وكان اعتمادها واهتمامها على التحديد الجامع والتقسيم المنطقيّ للأنواع البديعية ، والإقلال من الشواهد ، والاكتفاء بشواهد دالّة . وإن كانت خالية من أيّة قيمة جماليّة . وبين تنازع هذه المدرسة وتلك المدرسة ترعرعت البلاغة العربية وتوضّحت معالمها إلى أن جاء عصر « البديعيّات » .
وكان ابن المعتزّ صاحب أول كتاب في « البديع » يعدّ من أصحاب المدرسة الأدبية وكبار مؤسّسيها ، وذلك بسلوكه طريقها في كتابه ، ونهج بعض المؤلّفين في البلاغة نهجه ، إلّا أنّ هذه المدرسة قد اضمحلّت أمام مزاحمة المدرسة الكلاميّة لها في بدايات القرن السادس الهجريّ ، ولا سيّما بظهور « مفتاح » السكاكيّ الذي اعتمد في تأليفه على الأسلوب المنطقيّ والاستنباط العقليّ والتحديد الفلسفيّ ، وبهذا كان السكاكي « أوّل الجناة المسرفين على علم البلاغة بإخضاعه للعلوم العقلية ، فأضاع بهجته ، وأخلق ديباجته » « 2 » .
وفي غمرة هذا التنازع بين المدرستين وتجاذب البلاغة بينهما ، ظهرت « البديعيات » بثوبها الشعريّ الطريف ، مزيّنة بشروحها ، زاهية بمضمونها ، متلألئة بين صفحات تلك الشروح التي قطفت من رياض الأدب أطيب ثمارها وأجمل أزهارها وأكثرت منها لدرجة كادت معها تضيع معالم « البديعية » وينسى الغرض الذي تهدف إليه تلك الشروح ، وهو توضيح الأنواع البديعيّة وتحديدها .
هامش
( 1 ) الصبغ البديعي ص 253 .
( 2 ) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 260 .