« مفتاح » السّكاكيّ ليفتح باب البلاغة على مصراعين : علم المعاني وعلم البيان ، إلّا أنّه عدّ أنواع البديع وجوها يصار إليها لتحسين الكلام وقسّمها إلى محسّنات لفظيّة وأخرى معنويّة ، ثم جاء القزوينيّ ب « تلخيصه » ليجعل من « البديع » قسيما لعلمي « البيان » و « المعاني » ، يزاحمهما في مجالات الأدب ، وعرّفه بقوله : « هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة ووضوح الدلالة » « 1 » ، وجمع من أنواع هذه الفنون سبعة وثلاثين نوعا .
إذا في القرن السابع الهجريّ تمّ انفصال هذا الفنّ « البديع » واستقلاله عن علمي « المعاني » و « البيان » ، وهذا يعني أنّ ظهور أوّل بديعية إلى الوجود على يد الحلّيّ وأكبت هذا الانفصال ، أو لنقل : إنّ هذا الانفصال كان حديث العهد أثناء ولادة « البديعيات » .
ومن هنا كان ظهور البديعيات ، واشتمالها على فنون البديع عامّة دليلا مميّزا وواضحا في تأكيد انفصال هذا الفنّ عن علمي « البيان » و « المعاني » ، وإشاعة هذا الانفصال بين الناس عن طريقها ، رغم أنّهم جعلوا ضمن أنواع البديع بعضا ممّا يعتبر اليوم من البيان ، كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز .
وما أكّد هذه الظاهرة الانفصالية لهذا الفن ترسيخ قواعده وتوضيح أنواعه وتحديدها من خلال الشروح التي قامت على « البديعيات » واقتصارها على فنون البديع المعروضة في ثنايا البديعية أو التي تلمح منها ، كما أنّ الإشارة إلى حياة هذا الفنّ ، منذ نشأته إلى زمن البديعيات ، في مقدمات تلك الشروح ، ساعدت على استقلال فنّ البديع بنفسه وتوضيح معالمه ، وترسيخ أسسه ، وتحديد فنونه ، ونشر ذلك كلّه بين جمهور الناس ؛ فكان ظهور البديعيات إذا ومؤازرة تلك الشروح لها ، وانتشارها السريع بين الناس أكبر مساعد على تأكيد تلك الظاهرة الانفصاليّة لهذا الفنّ .
3 - العودة بالبديع إلى المدرسة الأدبيّة :
عرفت البلاغة العربية في مناهج بحثها الأولى اتجاهين واضحين ، رغم أنّ كتب البلاغة قد يأخذ بعضها من بعض وتتّفق في المنهج إلى حدّ ما ، فمن البلاغيين من سيطرت على كتبهم النزعة الأدبية ، ومنهم من سيطرت على كتبهم النزعة الفلسفيّة
هامش
( 1 ) انظر دراسات بلاغية ونقدية ص 13 - 14 .