بديعيته وما سبقها من البديعيّات كبديعية الصفيّ ، وبديعية ابن جابر ، وبديعية الموصليّ ، وبديعية ابن حجّة وغيرهم ، ليؤكّد للناظر أن لا فضل للسابق على اللاحق إلّا بما يستحقّ . وترى ظاهرة التتبّع عنده منذ بداية الشرح حتى نهايته « 1 » .
وهؤلاء الثلاثة « ابن حجّة ، والنابلسيّ ، وابن معصوم » كانوا أكثر تعصّبا لما عندهم ، وأشدّ هجوما على غيرهم ، وبحثا عن عثرات من سبقهم واقتناصا لكبواتهم ، والتشهير بهناتهم إلى درجة التفريط .
ويلي هذه الطبقة من المتتبّعين المتعصبين طبقة أخرى أكثر موضوعية ومرونة وأقلّ تحاملا من الطبقة الأولى ، من ممثّليها : قاسم البكرجيّ ، وأبو الوفاء العرضيّ « 2 » ، إذ تتبّع الأوّل منهما في شرحه عبد الغنيّ النابلسيّ في تعقّبه لابن حجّة في بديعيّته وشرحها ، كما تتبّع غيره أيضا من أصحاب البديعيات ، في حين اكتفى الثاني بالنقد الرزين ومحاولات الاعتذار عن زلّات الآخرين ، والتغاضي عنها ، مشيرا بهدوء إلى موطن الضعف عند من يتجرّأ على تخطئ الناس ونسيان نفسه .
إذا ، إنّ الملامح النقدية المستقاة من البناء العام لتلك الشروح وغيرها ، ومن ظاهرة التتبّع في عمل الشرّاح تشكّل صورة عن الحركة النقديّة التي تتراءى لنا من خلالها ، لعلّها من أهمّ صور النقد الأدبيّ في مرحلة ممتدّة على مدى سبعة قرون من مراحل التراث العربيّ .
3 - ملامح نقديّة عامّة :
لم تقتصر الحركة النقديّة على الملامح المستقاة من خلال بناء الشروح العام ، وتتبّع الشرّاح فيها لبعضهم ، بل كانت تمرّ لمحات نقدية عامّة تلوّن شروح « البديعيات » بها وتوضّح شيئا من معالم النقد العامّة وأسسه وطرقه في ذلك العصر .
فهناك تتبّع للسرقات الشعرية ، خارج نطاق « البديعيات » ، إذ كثيرا ما كان الشرّاح يشيرون إليها ويفضحون أمر مرتكبها ، مبرهنين بذلك على سعة اطّلاعهم وتنوّع معرفتهم ، وقدرتهم على النقد والتتبّع والتمحيص . وهذا ما نجده مثلا عند ابن حجة الحموي في خزانته ولا سيما أثناء كلامه على سرقات جمال الدين بن نباتة المصري
هامش
( 1 ) انظر أنوار البديع في أنواع البديع 1 / 29 ، 91 ، 93 - 95 .
( 2 ) انظر في تفصيل ذلك البديعيات في الأدب العربي ص 241 - 244 .