التأليفيّ في التراث العربي الإسلاميّ عامة ، ولا سيّما في عصر نشوء « البديعيّات » وازدهارها . فكثيرا ما نصادف ، في أيّ كتاب من التراث العربي الإسلامي وخاصة في شروح البديعيات ، موقفا للكاتب أو الشارح ، يتعرّض من خلاله لمؤلف عاصره ، أو سبقه ، فيتعقّبه في قضيّة ما ، ويتتبّع أخطاءه فيها ، فيردّ رأيه ، أو يخطّئه فيه ، أو يحدّ منه ، أو يوافقه ويزيد عليه ؛ وكثيرا ما نجد ذلك عند من كان على شيء من الزهو والاعتداد بالنفس والحدّة في الموقف ، أمثال ابن حجّة الحمويّ ، وابن معصوم المدنيّ ، والشيخ عبد الغني النابلسيّ .
فابن حجّة الحموي قد صرّح منذ البداية في خطبة شرحه لبديعيته أنه إنّما نظم بديعيّته وأمامه بديعية الصفيّ وبديعية الموصليّ وبديعية ابن جابر ، وهو ينظر إليها نظرة الناقد المتفحّص ، الباحث عن خبايا جمالها ومواطن ضعفها ، ليستطيع بذلك أن يتدارك نقصا سبق ، وأن يبزّ غيره بجمال وفضل إجادة ، فينطلق يسابق هؤلاء مخلّفا وراءه كلّ من سبقوه إلى هذا الفنّ ، وقد أعانه على ذلك صديقه الأديب المعروف محمد بن البارزيّ الذي حثّه على نظم بديعيّته . ومن هنا جاء تتّبعه لهؤلاء الشعراء في بديعيّاتهم ومقارنة عمله بأعمالهم مستعينا بمشورة صديقه إذ قال : « فاستخار اللّه مولانا الناصري . . . ورسم لي بنظم قصيدة أطرّز حلّتها ببديع هذا الالتزام ، وأجاري الحلّيّ برقّة السحر الحلال ، الذي ينفث في عقد الأقلام ، فصرت أشيّد البيت فيرسم لي بهدمه . . . ويقول : بيت الصفيّ أصفى موردا ، وأنور اقتباسا ، فأسنّ كلّ ما حدّه الفكر ، وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة ، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره ، وقد صار لي فكرة إلى الغايات سبّاقة ، فجاءت بديعيّة هدمت بها ما نحته الموصليّ في بيوته من الجبال ، وجاريت الصفيّ مقيّدا بتسمية النوع ، وهو من ذلك محلول العقال » « 1 » .
وما يلاحظ من هذا القول أنّ هناك عملين اثنين كانا يرافقان نظم كلّ بيت من أبيات البديعية ، أوّلهما : تتبّع ابن حجّة لمن سبقه وإعمال نفسه في التفوّق عليه ؛ وثانيهما : الموقف النقديّ المتمثّل في عمل ابن حجّة أوّلا ، وفي حكم المعروض عليه ( ابن البارزي ) ثانيا ، إذ كان يشير عليه بالقبول أو بالإعادة بعد مقارنته بأبيات
هامش
( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 305 .