الحلّيّ والموصليّ . ومن ينظر في شرح ابن حجّة منذ المطلع يجد ابن حجة لم يترك هنة من هنوات الصفيّ والموصليّ إلّا شهّر به وأعلنه وتجاوزه إلى ما هو أحسن ، مزهوّا بمقدرته وإجادته وتفوّقه في كلّ كلمة من كلمات بديعيّته ، وحتّى في شعره ونثره الذي لا يمتّ إلى « البديعيّات » بصلة . وإنك لتجد ذلك في كل باب من أبواب شرح بديعيته .
هذا المنهج الذي اعتمده ابن حجّة في تتبّعه من سبقه مع الزهو الذي تميّز به لم يرق لكثير من المؤلّفين والنقّاد ، فوقفوا له بالمرصاد ، وسلّوا سيوف النقد عليه وعلى إنتاجه ، يغربلونه وينخلونه باحثين فيه عن كل هنة ، ومن هؤلاء الشيخ عبد الغني النابلسيّ ، وهو من أكثر الناس اعتراضا وأشدّهم غضبا على ابن حجّة ، إذ لم يقدر أن يخفي ازدراءه وانتقاده في « نفحاته » لابن حجّة ، إذ قال : « ثمّ شرح قصيدته شرحا أخذ فيه بأذيال الإطالة ، وألبسه حلل السآمة والملالة ، . . . وتشدّق في عباراته ، وأفحش في إشاراته ، مع ما في أبيات قصيدته من الركّة والقلاقة ، واختلاس كلمات غيره بحسب ما عنده من الفاقة » « 1 » . وبدأ النابلسيّ بعد ذلك يتتبّع ابن حجّة لا في بديعيته وحسب ، بل في انتقادات ابن حجّة لغيره ولسابقيه من ناظمي « البديعيات » ، ينقّب عن سرقاته ، ويتقصّى هنواته وعثراته ومجانبته للصّواب ، فوجد عدم تعرّض ابن حجّة لمطلع الموصليّ ، يعود إلى أنّه قد سرقه منه ، وهذا ما دفعه منذ البداية إلى أن ينال منه ، فقال : « وقد دخل هذا البيت فكر ابن حجة . . . فسرق من مصراع الباب . . . » « 2 » . ولم يكتف النابلسيّ بتتبّع ابن حجة ، بل تعدّاه إلى كلّ من ذكر له بديعية في شرحه ، فتتبّع بديعياتهم وعلّق عليها وانتقدها ، مظهرا محاسنها أحيانا ومساوئها أحيانا أخرى .
ولم يكن ابن معصوم المدنيّ بأقلّ من عبد الغني النابلسيّ تطلّعا إلى التقدم والسبق والتفوّق ، فإذا كانت بديعية ابن حجة عند الأغلبية من أجود « البديعيات » فإن ابن معصوم نظم بديعيّته « التي فاقت بديعيّة ابن حجّة فلو أدركها لما قامت له معها على تزكية نفسه حجة » « 3 » ، ففي أثناء نظمه وشرحه لبديعيته تظهر فكرة المقارنة بين
هامش
( 1 ) نفحات الأزهار ص 3 .
( 2 ) نفحات الأزهار ص 12 .
( 3 ) أنوار الربيع في أنواع البديع 1 / 28 .