تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
نقديّة تمثّلت في الأمور التالية : 1 - الملامح النقديّة في البناء العامّ للشروح : من خلال ما سبق من الكلام على مضمون الشروح ، يبدو أن هذه الشروح كانت تعتمد على الفنون البديعية بادئ الأمر لتنطلق منها إلى جمع أجمل وأطرف شواهد الشعر والنثر ، وأكثرها دورانا على الألسنة ومناسبة للاستشهاد بها ، مع التعريج أحيانا على المستقبح المرذول من الشواهد . وكانت عملية جمع هذه الشواهد وانتقائها من رياض الشعر والنثر خاضعة لعملية نقديّة هامّة ، فالشواهد كثيرة والشارح أمامها مختار بارع ، يختار منها ما يروق له ويجد فيه بغيته مما يناسب كلامه ، سواء من حيث جودة الشاهد وجماله وإصابة صاحبه ، أو من حيث رداءته وسماجته وكبوة صاحبه به ، ثم لا يكتفي بعرض ذلك على القارئ بل يقرنه بعبارات متنوّعة تدلّ على قيمة هذا الشاهد ، إذ كثيرا ما يتردّد على ألسنة هؤلاء الشرّاح مثل هذه العبارات : « ومن محاسن هذا الفنّ » ، و « وهذا أحسن ما سمعت » ، و « ومن براعاته » ، و « وممّا يستقبح » ، و « وممّا يؤخذ عليه » . . . إلى غير ذلك من هذه العبارات الحكمية النقديّة . ومثل هذه العبارات كثير في شرح بديعية ابن حجّة الحمويّ وفي غيرها من الشروح « 1 » ، التي يلاحظ فيها أنّ هؤلاء الشرّاح كانوا يخرجون بين الحين والآخر عن طريقة التذوّق المحضة والحكم بالجمال والحسن أو القبح والردّ دون توضيح سبب ذلك ، إلى تعليل هذا الحكم وإظهار دوافعه وتبيان مواطن الجودة والضعف فيه ، وفي ذلك ما يدلّ على لمحات نقديّة قد ترتقي أحيانا لتصل إلى مرتبة النقد المنهجيّ الموضوعي ، وقد تنحطّ أحيانا أخرى لتعود إلى البدايات الأولى للنقد المتمثّلة في عبارات « ما أحسن » . . . و « ما أقبح . . . » و « ما أجمل . . . » دون أي تعليل . لذا كانت كلّ هذه اللمحات النقديّة تزيّن شروح « البديعيات » ولا سيّما المتّسع منها ، لتغنيها وتلوّنها ، ولنقف من خلالها على فنّ من فنون التأليف الأدبيّ في ذاك العصر حيث امتزجت فيه فنون الأدب : شعرا ونثرا ونقدا . 2 - الملامح النقديّة في عمل الشرّاح : ظهرت في شروح البديعيات ظاهرة « التتبّع » ، وهي ظاهرة ليست غريبة عن الفكر
هامش
( 1 ) انظر البديعيات في الأدب العربي ص 233 - 234 .