تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
ينظمها في مدح شيخه خير سبيل للتقرّب إليه وإظهار الإخلاص له والزلفى بين يديه ، فنظمها ، مغايرا في مضمونها ، جاعلا هذا المضمون خالصا في مدح شيخه « 1 » . إذا ، لم تبق « البديعيات » مجرّد فنّ شعريّ معهود ، بل خرجت إلى دائرة النقد ، وما ذاك القبول والإقبال عليها من قبل الخاصّة والعامّة إلّا موقف له دلالته النقديّة الواضحة . 2 - موقف العامة : يتّضح من خلال موقف الخاصة من البديعيات ، أنّه لولا حبّ العامة لهذا الفنّ وتعلّقهم به لما تقرّب أولو الأمر به إليهم ، ولولا ذلك أيضا لما أقدم كبار الشعراء ، آنذاك ، على نظمها ، ولما جعلوها غاية وذروة لا يستطيع بلوغها إلّا المقتدر ، ولما استطاع هذا الفنّ الطريف أن يعيش سحابة سبعة قرون من عمر تراث هذه الأمّة ، وأن ينتشر في معظم أصقاعها . وربّما كان للاتجاه الدينيّ الذي رافق هذا الفنّ من أثر بالغ في قبول الناس للبديعيّات ، إذ صادف هذا الفنّ هذه النزعة الدينية المسيطرة على نفوس الناس في عصر هم بحاجة ماسّة فيه إلى بعث جديد للأمّة بعد أن سيطر عليها من لا يستحقّ قيادتها ، فعاث فيها فسادا ، وقد وجد الناس في البديعيات ، كونها مدائح نبويّة ، ملاذا يرجون به الخلاص ، إلى جانب ما وجدوا فيها من غرض تعليميّ جديد ، فلاقت منهم آذانا مصغية وقلوبا واعية . يتّضح ممّا سبق أن فنّ « البديعيات » لم يكن مقتصرا على خاصّة الناس والشعراء ، بل كان فنّ الناس جميعا على اختلاف طبقاتهم ، ففهمه خاصّتهم ، وترنّم به عامّتهم ، وهذا يدلّ دلالة واضحة على الحركة النقدية التي كانت تدور حول هذا الفنّ . 3 - كتب ومؤلّفات في نقد البديعيّات : لم تقتصر الحركة النقدية على الموقف التذوّقيّ المتمثّل في قبول هذا الفنّ والإقبال عليه ، بل تعدّته إلى مرحلة التأليف في نقد هذا الفنّ ، فظهرت كتب ومؤلّفات هي ، على قلّتها ، ظاهرة وأثر من الآثار النقديّة لهذا الفنّ . من هذه الكتب : « الحجّة في سرقات ابن حجّة » للنواجيّ ؛ و « الحجّة على من زاد على ابن حجّة في علم البديع » لعثمان بك الجليليّ ؛ و « إقامة الحجة على التقيّ ابن حجّة » لأبي بكر بن
هامش
( 1 ) هدية العارفين 2 / 399 ؛ والبديعيات في الأدب العربي ص 222 .