أن ينظموا « البديعيات » ، ولعلّ هذا الطلب كان ابتغاء التقرّب من جمهور الناس ، والظهور أمامهم بمظهر التّقى في عصر كان يستهوي الناس مثل هذا المظهر ويخفّف من سخطهم على أفراد الطبقة الحاكمة . وإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ للمقياس الدينيّ أثرا في الفكر السائد آنذاك ، وهذا ما يجعله يرتبط بشكل أو بآخر بمفاهيم النقد ومقاييسه في ذلك العصر . وإذا نظر بعضنا اليوم إلى أن البديعيات « منذ أن ولدت إلى أن قضت ، صناعة من العبث ، أضعفت من الشعر ، وهدّت من قوّته ، وأزرت من مكانته ، وأوردته موارد التكلّف والتعمّل الثقيل » « 1 » ، فذلك لأنّ مفاهيمنا النقدية اليوم غير مفاهيمهم ، وإن كانت امتدادا لموروث ثقافيّ وبيئيّ واحد .
لذلك يرى علي أبو زيد في كتابه أنّ « البديعيات » قد وافقت بيئتها من جهتين على الأقلّ :
أولاهما : الحسّ الدينيّ الذي كان يسيطر على جميع طبقات الشعب .
ثانيتهما : الذوق العام المائل إلى الزخرفة والتنميق في كلّ شيء ، وهذا ما جعل البديعيات وما أتت به من أنواع بديعية تتطابق مع الملامح الفنيّة السائدة في ذلك العصر .
وليس غريبا بعد هذا أن يطلب السلطان أو الحاكم من أحد الشعراء أن ينظم بديعيّة ، وهذا ما جرى مع الشاعر ابن المقرئ عندما طلب منه الملك الناصر نظم بديعية ليتقرّب بهذا الطلب من الناس « 2 » ، ومع غيره من الشعراء ، مثل ابن حجّة ، إذ نظم بديعيته استجابة لرغبة صاحب ديوان الإنشاء محمد بن البارزيّ الذي أعانه عليها ورافقه في نظمها حتى النهاية « 3 » .
ويقابل هذا الموقف موقف الشعراء أنفسهم الذين بلغت « البديعيات » عندهم مكانة مرموقة جعلتهم يعتبرونها مثلا عاليا ويحملونها هدايا نفيسة يتقرّبون بها من أولي الأمر في أحوال مختلفة .
فمحمّد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الهامليّ مثلا ، رأى في بديعيّة
هامش
( 1 ) الصبغ البديعي ص 372 .
( 2 ) البديعيات في الأدب العربي ص 219 - 220 .
( 3 ) انظر خطبة المؤلف في خزانة الأدب 1 / 303 - 306 .