تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
عن طول باعهم وسعة اطّلاعهم ، فكادت أمثلتهم النثرية توازي أمثلتهم الشعرية ، فاتّخذوا من أقوال الخطباء ، وأمثلة الفصحاء والبلغاء ، وخطب العلماء ، ومناظرات الأدباء مادّة هامّة في الاستشهاد بها إلى جانب الشعر . وعلى طريقتهم في الاستشهاد بالأشعار ، ساروا في الاستشهاد بالنثر ، فالشاهد النثريّ قد يكون مثلا سائرا ، أو بعض خطبة ، وقد يطول الشاهد حتى يتضمّن رسالة كاملة ، ولعلّ أوضح مثال على ذلك ما جاء في « خزانة الأدب » لابن حجّة ، فهو ، مثلا عندما يتحدّث عن « التغاير » يورد قولا لابن أبي الإصبع في بيت أبي تمام ثم يقول : « وقد عنّ لي هنا أن أرفع للمتأخّرين في التقديم راية ليعلم المنكر الفرق بين البداية والنهاية ، فإنّ الشيخ جمال الدين أظهر في المغايرة بين السيف والقلم ما صدق به قول القائل [ من الطويل ] :
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوائل « 1 »
من ذلك قوله في رسالة المفاخرة والمغايرة . . . فبرز القلم بإفصاحه . . . وقام خطيبا بمحاسنه في حلّة مداده ، والتفت السيف فقال . . . » « 2 » ، ويورد على ذلك الرسالة كلّها رغم طولها . 5 - لمحات نقديّة : إنّ معظم شرّاح البديعيّات استطاعوا أن يميّزوا أثناء شروحهم بين الحسن والقبيح ، والجيّد والرديء ، من خلال لمحات وإشارات عديدة ، ووقفات فاحصة متفرّقة في أثناء شروحهم ، تعبّر عن موقفهم ، وتوضّح منهجهم في النقد وتشير إلى ملامح النقد في عصرهم بشكل عام ، فما هم إلّا من هذا العصر وأبنائه ، وما نقدهم إلّا جزء من نقده . وسيأتي الكلام على هذا في « أثر البديعيات في النقد » . 6 - فنون مختلفة : من المعروف أن شرّاح البديعيات كانوا على ثقافة إسلامية عربية واسعة ، فجاءت شروحهم صورة عن هذه الثقافة ، إذ تجد فيها الفقه والتفسير والنحو واللغة والعروض والبلاغة ، بالإضافة إلى ما سبق ذكره ، وكلّها فنون بديعة من « المستملح المستطاب » .
هامش
( 1 ) البيت لأبي العلاء المعري في سقط الزند ص 193 ؛ وخزانة الأدب 3 / 218 . ( 2 ) خزانة الأدب وغاية الأرب ، باب التغاير 2 / 218 - 238 .