ويتّضح من هذين التعريفين الفرق بينهما ، فالتعريف الثاني أكثر تقييدا من الأوّل ، إذ إنّه يخرج من دائرته تلك القصائد ذات الأبيات القليلة أوّلا ، ثمّ يخرج تلك القصائد التي قيلت في مدح غير الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) والتي جاءت ، رغم ندرتها ، في مرحلة زمنية متأخّرة ، وينحّي القصائد المنظومة على غير بحر البسيط ورويّ الميم المكسورة ، ممّا جاء شاذا عن الأصول الأولى ل « البديعيّات » ، وإن كانت تلك القصائد تدخل ضمن البديعيات من باب شذوذ القاعدة في بعض جوانبها ؛ إلّا أنّ هذا التعريف ، رغم تقييده وضيق دائرته ، فإنه يضمّ أكثر البديعيات على اختلاف عصور الأدب العربي ، ولا سيّما تلك البديعيات الأصيلة التي اتجهت اتجاها أساسيّا انطلقت منه معظم البديعيات .
أمّا التعريف الأوّل فقد شمل كافّة البديعيات ، صحيحها وشاذّها ، على اختلاف بحرها ورويّها ، إلّا أنه أخرج من دائرته القصائد ذات الأبيات القليلة ، والقصائد التي قيلت في غير المديح . ومهما يكن من أمر هذا التعريف ، فيمكن أن تستخلص من كلا التعريفين الأسس والشروط والمقوّمات والغاية والموضوع والمضمون والمواصفات التي بنيت عليها « البديعية » .
أمّا أسسها وشروطها ومقوّماتها فهي :
أ - أن تكون طويلة ، يزيد عدد الأبيات فيها على الخمسين « 1 » ، وقيل : لا تقلّ عن مائة بيت « 2 » .
ب - أن يكون موضوعها الأساسيّ هو المدح ، بل مدح الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) .
ج - أن تكون منظومة على بحر البسيط ، ورويّ الميم المكسورة .
د - أن يتضمّن كل بيت من أبياتها لونا بديعيا على الأقلّ ، بشكل صريح أو غير صريح ، وأن يكون البيت شاهدا عليه .
وكل قصيدة تخلو من أحد هذه الشروط تخرج من سلك « البديعيّات » .
وأمّا غايتها وموضوعها فيمكن استخلاصهما ممّا سبق وتلخيصهما بأنّ البديعية هي مديح النبيّ محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وأصحابه الأبرار ، وهي غاية روحيّة ، وغرض شعريّ
هامش
( 1 ) البلاغة العربية في ثوبها الجديد ( علم البديع ) ص 12 .
( 2 ) البديعيات في الأدب العربي ص 47 .