ويبدو أنّ هذا العلم « البلاغة » كان أعسر العلوم ، ولكنه كان ألصقها بفهم المعجز من كتاب اللّه العزيز ، والمبدع من أدب العرب ، وإذا تتبّعنا تطوّره وجدنا أنه بلغ أوجه ، أو كاد ، في قرون عدة قبل عصر ابن حجّة ، واتّسع كثيرا وتفرّع منه علم بلغ ذروته في عصر ابن حجّة ، وهو « علم البديع » ، ولا سيّما عندما أسهم فيه نظّام البديعيّات وشرّاحها بالإضافة إلى المؤلّفين في البلاغة والعلوم المتّصلة بها .
ولا بدّ من أن نذكر أنّ علوم البلاغة هذه ، قد مرّت قبل أن تتوضّح حدودها وتستقرّ مصطلحاتها ، بمرحلة كان يطلق فيها على علم البلاغة اسم « علم البديع » الذي هو أحد أنواعها الثلاثة ، إذ إنّه لم يعرف كعلم للبديع له تعريفاته وحدوده وتقسيماته وتفريعاته إلّا بعد صدر الإسلام بقرون . يقول الجاحظ في نشأة البديع وفي أوّل من افترعه في كتابه البيان والتبيين : « ومن الخطباء الشعراء ممّن كان يجمع الخطابة والشعر الجيّد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن : كلثوم بن عمرو العتّابيّ ، وكنيته أبو عمرو ، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلّف مثل ذلك من شعراء المولّدين ، كنحو منصور النّمريّ ، ومسلم بن الوليد الأنصاريّ وأشباههما .
وكان العتّابيّ يحتذي حذو بشّار في البديع ، ولم يكن في المولّدين أصوب بديعا من بشّار وابن هرمة » « 1 » .
وفي قول الجاحظ ما يدلّ على أن « البديع » نشأ في الأدب العربي منذ اختلاط الفكر والجهود بين العرب والفرس ، وذلك بدليل اختلاط الأسماء العربية ( العتابيّ والنمري وابن هرمة ) مع الأسماء الفارسيّة ( بشّار وابن الوليد ) ، وهذا يبيّن أنّ البديع مذهب عباسيّ تضافرت فيه جهود مجموعات مختلفة من الشعراء العرب والفرس ، وإن كان العباسيون يردّونه إلى مصادر عربية خالصة ، كما ورد في قول الجاحظ :
« والبديع مقصور على العرب . . . » « 2 » .
إلّا أنّه جاء في العمدة : إنّ مسلم بن الوليد هو أوّل من تكلّف البديع من المولّدين وأخذ نفسه بالصنعة وأكثر منها ، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبله إلّا النبذ اليسيرة « 3 » . وجاء في الأغاني أنّه أوّل من أطلق هذا المصطلح ، ووضع مصطلحات
هامش
( 1 ) البيان والتبيين 1 / 51 .
( 2 ) البيان والتبيين 4 / 56 .
( 3 ) العمدة 1 / 229 .