فكان أوّل من فصل بين علم البيان وعلم المعاني ، ثم أشار إلى أنّ هناك وجوها أو محسّنات ، كثيرا ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام . . . ، وهي قسمان :
قسم يرجع إلى المعنى وقسم يرجع إلى اللفظ « 1 » . وهذا يعني أن « علم البديع » ما زال عنده مشتركا مع علمي المعاني والبيان .
ثم جاء بدر الدين بن مالك فسمّى هذه الوجوه التي ترجع إلى المعنى واللفظ « علم البديع » فكان أوّل من أطلق هذا المصطلح على هذه المحسّنات البديعية « 2 » ، وقسّمها ثلاثة أقسام ، كما رأينا سابقا .
إلّا أنّ أبا الفرج الأصبهانيّ ذكر أنّ الشاعر العباسيّ مسلم بن الوليد كان أوّل من أطلق هذا المصطلح ، إذ قال : « وهو ، فيما زعموا ، أوّل من قال الشعر المعروف ب « البديع » ، وهو لقّب هذا الجنس البديع واللطيف ، وتبعه فيه جماعة ، وأشهرهم فيه أبو تمام الطائيّ ، فإنّه جعل شعره كلّه مذهبا واحدا فيه « 3 » .
ثمّ جاء الخطيب القزويني وفصل « البديع » فصلا تامّا عن البلاغة التي جعلها محصورة في المعاني والبيان ، فأخذ معه « البديع » المعنى العلميّ الذي بقي سائدا إلى الآن ؛ وهو عنده ضربان :
ضرب يرجع إلى المعنى وضرب يرجع إلى اللفظ ، إلّا أنّه جعله تابعا لعلمي المعاني والبيان ، لا ينفصل عنهما « 4 » .
ومهما يكن من أمر تبعية البديع لغيره من علوم البلاغة أو عدم تبعيته لها ، فهو ما يزال متسنّما ذروة البلاغة حتى عدّه قوم أنه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ؛ وما انفصال علوم البلاغة عن بعضها إلّا افتعال ، بل إن ألوان البديع هي في الصميم من البلاغة ، وقد سبق أن بيّنت أنّ البلاغة لا يمكن أن تحصل إلّا لمن استكمل العلوم البلاغية الثلاثة ، ولقد كان الزمخشري على حقّ حين سمّى « البيان » و « البديع » ب « علم البيان » في كثير من كلامه مقتديا في ذلك بقول عبد القاهر الجرجاني الذي جعل « البيان » و « البديع » كلمتين مترادفتين « 5 » .
هامش
( 1 ) مفتاح العلوم ص 200 .
( 2 ) المصباح ص 75 .
( 3 ) الأغاني 19 / 36 .
( 4 ) الإيضاح ص 287 ؛ والتلخيص ص 347 .
( 5 ) بديع القرآن ص 26 - 27 .