تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
« البديع » « 1 » . ثم قال : « والبديع مقصور على العرب ، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة ، وأربت على كلّ لسان ، والراعي كثير البديع في شعره ، وبشّار حسن البديع ، والعتّابيّ يذهب في شعره في البديع مذهب بشّار » « 2 » . وهذا يعني أن الجاحظ كان قد أطلق لفظ « البديع » على طريف الاستعارة في « ساعد الدهر » ، ويروي ذلك عن الرواة ، أي رواة الشعر ، فالتسمية ليست له ، بل هي لرواة الأدب ، وظهرت أوّل ما ظهرت على لسان الشعراء . ويؤكد هذا ابن المعتز في كتابه « البديع » ، إذ ذكر أن هذه التسمية من وضع الرواة والشعراء المولّدين ، فقال في مقدّمة كتابه « البديع » : « قد قدّمنا في أبواب كتابنا هذا بعض ما وجدنا في القرآن واللغة وأحاديث رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وكلام الصحابة والأعراب وغيرهم وأشعار المتقدّمين من الكلام الذي سمّاه المحدثون « البديع » ليعلم أنّ بشّارا ومسلما وأبا نواس ومن تقيّلهم وسلك سبيلهم ، لم يسبقوا إلى هذا الفنّ ولكنّه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم حتى سمّي بهذا الاسم فأعرب عنه ودلّ عليه » « 3 » . وقد أطلق ابن المعتز هذا المصطلح « البديع » على الاستعارة ، والتجنيس ، والمطابقة ، وردّ العجز على الصدر ، والمذهب الكلاميّ ؛ وكان أوّل من جمعها تحت اسم « البديع » في كتابه المذكور ، ولعلّ محاولته هذه هي أول محاولة علميّة جادّة في ميدان « علم البديع » . ومن هنا نرى أن الجاحظ وابن المعتز قد التقيا في إطلاق مصطلح « البديع » على فنون البلاغة المختلفة بأنواعها . ثم خطا خطوتهما قدامة بن جعفر الذي يرى أن ألوان البديع هي البلاغة ، وفي ذروة الحسن منها « 4 » ؛ وأبو هلال العسكري « 5 » ، وإن كان هذا الأخير قد أخذ عنده مدلول « البديع » في التخصّص ، والابتعاد قليلا عن علوم البلاغة الأخرى ؛ إلّا أنّ مصطلح « البديع » ظلّ يتّسع في القرون الستّة الأولى للهجرة لكلّ أنواع علوم البلاغة بحسب وضعها الأخير : « المعاني والبيان والبديع » عند علماء البلاغة كابن سنان الخفاجي وعبد القاهر الجرجاني وغيرهما ، إلى أن جاء السكاكي
هامش
( 1 ) البيان والتبيين 4 / 55 . ( 2 ) البيان والتبيين 4 / 55 - 56 . ( 3 ) كتاب البديع ص 1 . ( 4 ) نقد الشعر ص 38 . ( 5 ) كتاب الصناعتين ص 267 .