7 - نشأة علم البديع وتطوّره حتى زمن ابن حجّة الحموي :
سبق أن أشرت إلى أن البديع كأثر فنّي كان موجودا في الأدب العربي منذ وجد الأدب ، إلّا أنه كان سليقة لدى الأدباء العرب ، ولم يكونوا يعرفونه بهذا الاسم ، وإنما كانوا يطبّقونه في شعرهم وخطابتهم وأمثالهم وحكمهم ووصاياهم منذ العصر الجاهليّ أيّام كانوا يجتمعون في الأسواق والأندية الأدبية كالمربد وعكاظ ، فنجد في أدبهم نماذج مختلفة من فنون البديع مبثوثة في ثناياه بطريقة عفويّة ، لا تقعّر فيها ولا تكلّف ، وقد ينظم الشاعر منهم القصيدة في شهر وينقّحها ويهذّبها في أشهر دون أن يكون للبديع أيّة عناية في تدبيجها وتنقيحها ، أو في نقدها وتصحيحها ، فكان الشعراء يتناشدون أمام زهير والنابغة ليحكما على جودة شعرهم أو رداءته ، من خلال روايتهما له بمنظار هذا العلم ، وإن لم يكونا قد عرفاه بعد كعلم له حدوده ومصطلحاته الخاصّة به .
وإذا انتقلنا إلى القرآن الكريم مع مجيء الإسلام نجد نصوصه في ذروة البلاغة من حيث معناها : « إصابة المعنى والقصد إلى الحجّة » ، و « حسن الإشارة وإيضاح الدلالة » ، فخير الكلام « ما ظرفت معاليه ، وشرفت مبانيه ، والتذّت به آذان سامعيه » « 1 » ، إذ إنّ الهدف من القرآن الكريم مخاطبة عقول الأمة والتأثير في وعيها ، فإن جاءت الصورة البديعيّة في التعبير زادته خيرا على خير ، وإن لم تأت فيه لم تنقص من بلاغته شيئا .
وإذا ولّينا وجوهنا شطر الأدب في بداية القرن الثالث الهجريّ وجدنا العناية بالبديع تكبر ، وتصبح الألوان البديعية مقصودة لذاتها بدلا من أن تكون وسيلة ، وغدا الأديب أو الشاعر يقتنصها أينما وجدها ويعنى بها أكثر من عنايته بالمعنى ، فأخذ يتّجه اتّجاها لفظيّا أكثر من أن يتّجه اتجاها معنويّا ، كما هو المقصود من رسالة الأدب عادة .
إلّا أنّ علم البلاغة ، كغيره من العلوم التي نشأت بهدف بيان إعجاز القرآن الكريم وتيسير فهمه للعناصر غير العربية خاصة ، أخذ يتطوّر ويتوضّح ، حتى صار علما قائما بذاته ، يعرف بعلم البلاغة التي تشمل اليوم العلوم الثلاثة : المعاني والبيان والبديع .
هامش
( 1 ) أدب المجالسة وحمد اللسان ص 67 ، 69 ، 70 .