وما يؤكّد اتصال جمال المعنى بالبديع قول عبد القاهر الجرجانيّ ، وهو يتّجه ببصره إلى المعنى أثناء تناوله التجنيس : فالقبيح من الجناس هو الذي لم يزدك على أن أسمعك حروفا مكررة ، تروم لها فائدة فلا تجدها إلّا مجهولة منكرة ، والحسن منه هو الذي يعيد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ، ويوهمك كأنّه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها ، وبهذا المعيار يعدّ التجنيس من حلى الشعر ومذكورا في أقسام البديع ، ففضل التجنيس مرهون بنصرة المعنى ، إذ لو كان باللفظ وحده لما كان فيه مستحسن ولما وجد فيه إلّا معيب مستهجن « 1 » .
فالحسن والقبح في البديع ليس مردّه إلى اللفظ عند عبد القاهر ، إذ إنّ الألفاظ ليس لها نصيب من الحسن ، وإنّما العبرة بالمعنى الذي لا ينشأ إلّا عن النظم أو الأسلوب ، فلذلك يميّز بين تجنيس قبيح وتجنيس حسن . وكما ينكر عبد القاهر التكلّف في البديع والولع به ، فإنّه ينكر أن يتطلبه المعنى ثم نغفل عن ذكره ، لأن المعنى هو الذي يقود إليه ويستشرف له ، فإهماله في هذه الحالة شبيه بتكلّفه حين لا يدعو إليه المعنى ، وإذا توافرت المحسّنات البديعية مع حسن النظم ، يكون قد وقع الحسن من الجهتين ، ووجبت له المزيّة بكلا الأمرين . وتراه يقول : « وعلى الجملة ، فإنك لا تجد تجنيسا مقبولا ، ولا سجعا حسنا ، حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساق نحوه ، وحتى تجده لا تبتغي به بدلا ، ولا تجد عنه حولا « 2 » .
فالبديع عند عبد القاهر إذا ، لا يستقلّ باللفظ دون المعنى ، وإنّما يذوب داخل النظم أو الأسلوب ليضيف إلى جماله جمالا ، فيعمل عمل السحر في الكلام . فعلم البديع إذا ، هو العلم الذي تعرف به المحسّنات الجمالية المعنويّة واللفظيّة ، التي لم تلحق بعلم المعاني ولا بعلم البيان . والمحسّنات الجمالية المعنوية منه : هي ما يشتمل عليه الكلام من زينة جمالية قد يكون بها أحيانا تحسين وتزيين في اللفظ أيضا ، والمحسّنات الجمالية اللفظية منه : هي ما يشتمل عليه الكلام من زينة جمالية لفظية ، قد يكون بها تحسين وتزيين في المعنى .
4 - البديع بين الأدب والفنّ :
لا شكّ أن الصلة متينة بين البلاغة بأقسامها الثلاثة : المعاني والبيان والبديع ،
هامش
( 1 ) أسرار البلاغة ص 4 - 5 .
( 2 ) أسرار البلاغة ص 7 .