تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
الكلمة ومثيلتها ، أو الكلمة وضدّها ، إذ تلحظ الأضداد في الطباق والمقابلة كما تلحظ المماثلة في الجناس والمشاكلة في سياق سلس لا تنافر فيه ولا اضطراب ؛ وهذا ما دفع العرب إلى الزهو والمباهاة بلغتهم في مواجهة الشعوبية ، فرصدوا ألفاظهم وجمعوا أشعارهم ، وقصروا الجمال في اللفظ والمعنى على كلامهم دون غيرهم ، فهذا الجاحظ يقول : « والبديع مقصور على العرب ، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة وأربت على كلّ لسان » « 1 » . وهذا ما يفسّر معنى الجمال ب « البديع » ؛ فقد كان العربيّ يتذوّق جمال الألفاظ في لغته وتراكيبها ، ويفتن بجمالها وسحرها ، فكلّما حسن الكلام عنده وعذب ، التصق بالأسماع واتصل بالقلوب ، ولا سيّما إذا ترجم المعنى الشريف بلفظ شريف ، وعبر عنه بكلام سلس رشيق . ولهذا راح العربي يدقّق في اختيار ألفاظه ويتأنّق في تركيب عبارته ، ويخلع عليها من الحسن ما يرفع من شأنها ويعلي من قدرها ، فنراه يردّد النظر في الكلام بعد أن يفرغ منه ، ويشرع في تهذيبه وتنقيحه ، نظما كان أو نثرا ، وذلك في سبيل الوصول إلى أدب جميل لفظا ومعنى ؛ وهذا ما كان يفعله زهير بن أبي سلمى في العصر الجاهلي ، والفرزدق في العصر الأمويّ ، ليكون الكلام آخذا بعضه بأعناق بعض متلاحما سليما مستحسنا متّسقا . فالبديع إذا ، ليس ترفا في الأسلوب الأدبيّ أو حلية بمثابة الفضول يستغنى عنها ، حتى يكون تابعا لعلمي البيان والمعاني ، بل هو في مقدّمتهما يقوم بدوره في أداء المعنى وتحسينه من خلال اللفظ الحسن ، فيقف جنبا إلى جنب مع الصور البيانيّة والمعاني ؛ وهذا ما جعل البعض يطلق عليه وعلى أنواعه اسم المحسّنات ، مقسّما بعضها إلى محسّنات معنويّة وبعضها الآخر إلى محسّنات لفظيّة . وفي القرآن الكريم كثير من أنواع البديع : كالجناس ، والطباق ، والمقابلة ، والطيّ والنشر ، والعكس والتبديل ، وغيرها من الأنواع البديعية التي لم تكن فضولا من القول ، ولم تأت لمجرد الزينة ، وإنّما دعاها المعنى دون غيرها من الألفاظ ليكون له جلاء وبيان وفضل وتأثير . ولهذا كان للبديع دور كبير في تجميل المعنى بالقدر الذي يكون به اللفظ جميلا مستحسنا .
هامش
( 1 ) البيان والتبيين 4 / 56 .