تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
والأدب كلّه ، إذ لا يمكن لألفاظ ميتة أن تحيي معنى أو فكرة . ثم إنّ كثرة البديع كانت هي المجال الأكبر لمدرسة التجديد ، أو مدرسة البديع ، فنشأت الخصومات ، وكان النقّاد ما بين مفتون به وساخط عليه . قال القاضي الجرجاني : « إنّ جلّ الأدباء والنقّاد رأوا في الافتنان في الحلية اللفظية المجال الأكبر للتجديد ، إيمانا منهم بأنّ الأولين استغرقوا المعاني أو أتوا على معظمها ، ولم يتركوا إلّا ما استهين به أو صعب الوصول إليه ، فلم يبق أمام المحدثين شيء يولعون به إلّا البديع والحلية اللفظية ، فكان الإبداع والإغراب منحصرا في هذا الميدان ، وتبعهم النقاد ما بين مفتون به وساخط عليه » « 1 » . وإذا كان البديع عند النقاد القدامى قد ظفر بحفاوة بالغة فاعتبر دليلا على كمال البراعة وإتقان الصناعة حتى عدّة قوم من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ، فقد اختلفت الرؤية عند النقاد والدراسين المعاصرين ، لأن الشعر لم يعد يكتب لينشد على الخلفاء في القصور أو الجماهير في الأسواق ، وإنما يكتب ليقرأ ، فنأخذ منه حصيلة فكريّة أو صورة اجتماعية ، أو شحنة انفعالية ممّا لا يحتاج إلى تزويق أو تجميل ، فقد غدا البديع صورة ترى ، لا نغما يسمع ، لذلك نظر النقّاد المعاصرون إلى البديع نظرة استخفاف وازدراء بخلاف نظرتهم إلى علمي المعاني والبيان ، وغدا البديع برأيهم محسنات لفظية عقيمة ، حوّلت مجرى الأدب العربيّ كله إلى زخارف لفظيّة خاوية من كل معنى عميق ، أو إحساس صادق « 2 » .

3 - البديع وجمال اللفظ والمعنى :

إن اللغة العربية بقسميها الشعر والنثر ، عندما تصاغ بأسلوب أدبيّ ، تتميز بالجمال والكمال ، وتمثّل قمّة الإبداع ، لما تملكه من غنى عظيم في مفرداتها ، وإتقان محكم في تراكيبها ، وزخرف أخّاذ في أساليبها وأشكالها ، وجمال موسيقيّ في لفظها وجرسها . وما يؤكد جمالها ويشهد بموسيقيّتها ذاك السجع في نثرها ، وتيك القافية في شعرها ، وتلك الفواصل في قرآنها . . . كلّ ذلك ينبئ عن التماثل بين كلماتها والمشاكلة بين ألفاظها والانسجام بين عباراتها . ولعلّ أبرز ما يميّز جمال اللغة العربية وموسيقيّتها ما فيها من ألوان بديعية معنوية ولفظيّة ، تظهر من خلال
هامش
( 1 ) الوساطة ص 208 . ( 2 ) انظر فن البديع ص 28 - 29 .