تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
يعرف ولا يعلم غرضه فيها إلّا بعد الكدّ والفكر وطول التأمّل « 1 » . ثمّ وقف القاضي علي بن عبد العزيز الجرجانيّ « 2 » وعبد القاهر الجرجانيّ « 3 » موقفا سلبيّا من إفراط أبي تمام في بديعه ، وتبعهما ابن رشيق في ذلك « 4 » . ويرى التّنسيّ أن الجناس ، وإن اعتبره أشرف أنواع البديع ، كثيرا ما يصاحبه التكلّف ، ولذلك تجنّبه الفحول من متقدّمي الشعراء « 5 » . ويتّفق في هذا الذوق الأدبيّ بعض المغاربة والمشارقة على السواء ، فهم يحذّرون من الإفراط في البديع ، إلّا أنّ ابن أبي الأصبع المصريّ يرى أنّ كثرة البديع لا تشين الكلام إذا استعمل قلّة أو كثرة ، فقد أورد في كتابه « بديع القرآن » آية عدد ألفاظها سبع عشرة ، واستخرج منها واحدا وعشرين ضربا من البديع ، وهي قوله تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 44 ) « 6 » ، ويعقب على ذلك بأنّ في كل لفظة بديعا وبديعين « 7 » ، معتبرا أن البديع يشمل علوم البلاغة كلّها من معان وبديع وبيان . وليس ابن أبي الأصبع هو وحده الذي استخرج هذه الكثرة من ضروب البديع دليلا على أن الكثرة أو القلّة ليست سببا في الحسن أو القبح ، وإنما التكلّف هو الذي يهوي بمنزلة البديع العالية ، فهذا النويريّ يرى أنّ الإبداع هو « أن يؤتى في البيت الواحد من الشعر أو القرينة الواحدة من النثر بعدّة ضروب من البديع بحسب عدد كلماته أو جمله ، وربّما كان في الكلمة الواحدة المفردة ضربان من البديع ، ومتى لم تكن كل كلمة بهذه المثابة ، فليس بإبداع » « 8 » . وهذا الباقلانيّ في مقارنته بين البحتري وأبي تمام يرى أن الأوّل قد أحسن في إفراطه ، والثاني كان إفراطه قبيحا « 9 » . إذا ، فالتكلّف أو الكثرة المتكلّفة التي يلجأ إليها صاحبها ليظهر مدى قدرته على رصف المحسّنات دون فائدة ، هي التي تفسد البديع ، كما تفسد البيان والمعاني
هامش
( 1 ) الموازنة 1 / 135 ؛ ونظم الدرّ والعقيان ص 56 . ( 2 ) الوساطة ص 19 . ( 3 ) أسرار البلاغة ص 11 . ( 4 ) العمدة 1 / 227 - 228 . ( 5 ) نظم الدر والعقيان ص 56 ، 195 . ( 6 ) هود : 44 . ( 7 ) بديع القرآن ص 340 - 342 . ( 8 ) نهاية الأرب 7 / 175 . ( 9 ) إعجاز القرآن ص 162 .