تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩

2 - موقف النقّاد من البديع :

وقف النّقّاد من البديع وأهله موقفين متباينين : موقف علماء انداح زمنهم من القرن الخامس الهجريّ إلى القرن الرابع عشر ، أحبّوا البديع وألوانه ، ولا سيّما ما احتوى صورة مبتكرة ، ونمّ عن رشاقة ، وتوشّح بأسلوب عذب رفيع ، فإنه كان يخلب ألبابهم ويسلب عقولهم ، سواء جاء بصورة جناس أو تورية أو غير ذلك ، فالفنون البديعية جميعها عندهم سواء طالما كانت تملك مسحة من الجمال ، أمّا إذا وجدوا فيها شيئا من التكلّف فكانوا لا يعبئون بها . أمّا الموقف الثاني فهو موقف معظم النقّاد المعاصرين ، فقد وقفوا موقفا متشنّجا من البديع وأهله وعصره وأدبه شعره ونثره ، إذ إنهم رفضوا كلّ ما جاء به العصران المملوكيّ والعثماني وأواخر العصر العباسيّ قبلهما ، دون أن يفرّقوا بين الفنون البديعية ، وبين الشعراء ، وبين الإنتاج الأدبيّ ، وبين من نجح في ذلك ومن أخفق ، وبين ما جاء عفوا وما جاء متكلّفا « 1 » ، ذلك لأنّ كثرة الإفراط في البديع في تلك الفترة خلقت في صفوف هؤلاء ضجّة كبيرة وفي نفوسهم اشمئزازا عظيما ، حتى غدت كثرة الإفراط في البديع مشكلة مطروحة على طاولة النقد منذ عهد ابن المعتز ، إذ كثر الإفراط فيه على يد بشّار ومسلم بن الوليد وأبي نواس ومن سلك مسلكهم ؛ ولعلّ ابن المعتز هو أوّل من نبّه إلى هذه المشكلة بانتقاده لأبي تمام إذ قال : « ثمّ إن حبيب ابن أوس الطائيّ من بعدهم شغف به حتى غلب عليه وتفرّع فيه وأكثر منه فأحسن في بعض ذلك وأساء في بعض ، وتلك عقبى الإفراط وثمرة الإسراف » « 2 » . ويرى ابن المعتزّ أن لا مانع من أن يقول الشاعر في قصيدته البيت والبيتين من هذا الفنّ ، وكان يستحسن ذلك منه إذا أتى نادرا ويزداد حظوة بين الكلام المرسل « 3 » . ثمّ صار أبو تمام حديث الناس ، ورماه النقاد بإفساد الشعر ، فقال الآمدي : « إنّ أوّل من أفسد الشعر مسلم بن الوليد ، وإن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحيّر فيه » ، وقيل عن شعره بأن ثلثه كان إغراقا في طول طلب الطباق والتجنيس والاستعارات ، وإسرافا في التماس هذه الأبواب وتوشيح شعره بها حتى صار كثيرا ممّا أتى به من المعاني لا
هامش
( 1 ) انظر البلاغة العربية في ثوبها الجديد ص 6 . ( 2 ) كتاب البديع ص 1 ؛ ونظم الدر والعقيان ص 55 - 56 . ( 3 ) كتاب البديع ص 1 ؛ ونظم الدر والعقيان ص 56 .