تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
فكلّ بديع مستلزم للمعاني والبيان لأنّهما جزءاه ، وكل بيان مستلزم للمعاني لأنها جزؤه ، وليست المعاني مستلزمة للبيان ولا للبديع إذ توجد بدونهما ، وذلك في كلام طابق مقتضى الحال ، ولم تعلم كيفية طرق دلالته ولا وجوه تحسينه ، ولا البيان مستلزم للبديع إذ يوجد بدونه في كلام طابق مقتضى الحال وعلمت كيفية طرق دلالته ولم تعلم وجوه تحسينه ، وهذا يعني أن المعاني والبيان بالنسبة إلى البديع كالحيوان والنطق بالنسبة إلى الإنسان ، إذ لا بديع بدونهما كما لا إنسان بدون حياة ونطق . والمعاني بالنسبة إلى البيان كالحيوان بالنسبة إلى النطق ، فتوجد المعاني بلا بيان كما يوجد الحيوان بلا نطق ؛ ولا يوجد البيان بلا معان كما لا يوجد النطق بدون الإنسان « 1 » ، الذي هو البديع . فالبديع إذا ، ليس مجرد حلية ، وإنما هو مرتبط بالمعنى ، وفصل البيان عن البديع نوع من الافتعال . يتّضح ممّا سبق أنّ البلاغة لا تحصل إلّا لمن استكمل العلوم الثلاثة : المعاني وهو علم يحترز به من الخطأ في خواصّ التركيب المعنويّ ، والبيان وهو علم يبحث في طرق دلالة المعاني ويحترز به عن تعقيدها ، والبديع وهو علم يبحث في وجوه تحسينها « 2 » . وهذا يعني أنّ علم البديع ، كعلمي المعاني والبيان ، يعرف به التحسين الذاتيّ ( المعنى ) ، بالقدر الذي يعرف به التحسين العرضيّ ( اللفظ ) . بالإضافة إلى ذلك فإن علم البديع يهدف إلى إظهار رونق الكلام حتى يلج الأذن بغير إذن ، ويتعلّق بالقلب من غير كدّ ، بل هو علم يهدف إلى اكتشاف عناصر الجمال الأدبيّ في الكلام الأدبي الرفيع ، شعرا ونثرا ، وسبر أعماق الإبداع وتحديد معالمه وتربية القدرة على الإحساس به ، إلّا أنّ الباقلّانيّ يرى أن لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووصفوه ، وإن كانت نظرته إلى البديع شاملة ، وذلك لأنّ هذا الفنّ ليس فيه ممّا يخرق العادة ويخرج عن العرف بل يمكن استدراكه بالتعلّم والتدرّب « 3 » . ومهما يكن ، فالبديع يبقى وجها من وجوه الإعجاز ، أو على أقلّ تقدير فهو باب من أبواب البراعة ، وجنس من أجناس البلاغة .
هامش
( 1 ) نظم الدر والعقيان ص 52 - 53 . ( 2 ) نظم الدر والعقيان ص 54 . ( 3 ) إعجاز القرآن ص 159 ، 162 .
خزانة الأدب وغاية الأرب — صفحة 108 | كوكب دياب / علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )