فإذا قلت : « جاءني زيد ماشيا » ، لم ترد أنّه يعرف بأنّه ماش ، ولكن خبّرت بأنّ مجيئه وقع في هذه الحال ، ولم يدلل كلامك على ما هو فيه قبل هذه الحالة أو بعدها .
فالحال مفعول فيها . إنّما خبّرت أنّ مجيئه وقع في حال مشي ، وكذلك : « مررت بزيد ضاحكا » ، و « صادفت أخاك راكبا » .
فالحال لا يعمل فيها إلّا الفعل ، أو شيء يكون بدلا منه ، دالّا عليه . وسنبيّن جميع ذلك إن شاء اللّه .
فإذا كان العامل في الحال فعلا ، صلح تقديمها وتأخيرها ؛ لتصرّف العامل فيها ، فقلت : « جاء زيد راكبا » ، و « راكبا جاء زيد » ، و « جاء راكبا زيد » . قال اللّه عزّ وجلّ :
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ
« 1 » . وكذلك : « قائما لقيت زيدا » ، و « قائما أعطيت زيدا درهما » ، و « ذاهبا إليك رأيت زيدا » .
وإن كان العامل غير فعل لم تكن الحال إلّا بعده ، وذلك قولك : « زيد في الدار قائما » ، و « في الدار قائما زيد » ، و « في الدار زيد قائما » .
إذا كان « قائما » بعد قولك : « في الدار » ، انتصب . ولا يصلح « قائما في الدار زيد » ، ولا « زيد قائما في الدار » ، ولا « قائما زيد في الدار » . لمّا أخّرت العامل ، ولم يكن فعلا ، لم يتصرّف تصرّف الفعل ، فينصب ما قبله . وهذا إذا جعلت « في الدار » خبرا ، فقلت : « زيد في الدار » ، و « في الدار زيد » ، فاستغنى « زيد » بخبره ، قلت : « قائما » ونحوه ، لتدلّ على أيّة حال استقرّ .
فإن جعلت « قائما » هو الخبر ، رفعته ، وكان قولك « في الدار » فضلة مستغنى عنها ؛ لأنّك إنّما قلت : « زيد قائم » ، فاستغنى « زيد » بخبره ، ثمّ خبّرت أين محل قيامه ؟ ، فقلت :
« في الدار » ، ونحوه .
وكلّ ما كان في الابتداء من هذا ، فكذلك مجراه في باب « إنّ » وأخواتها ، و « ظننت » وأخواتها ، و « كان » وأخواتها .
إلّا أنّه ما كان من ذلك فعلا ، أو دخله معنى تصلح عليه الحال ، وتنصبه عليه إذا أردت ذلك ، نحو : « ظننت زيدا قائما أخاك » ، لأنّك إنّما ظننته في حال قيامه ، و « كأنّ زيدا قائما أخوك » ، لأنّه أشبهه في حال قيامه . ولو قلت : « إنّ زيدا قائما في الدار » ، لم يجز ؛ لأنّك لا تنصبه بقولك : « في الدار » ، وهو قبله ، ولم يحدث معنى مع « إنّ » يجب به نصب الحال ، لأنّ هذه العوامل كلّها داخلة على الابتداء . قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي
هامش
( 1 ) القمر : 7 .