فأمّا قول اللّه عزّ وجلّ :
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
" 1 " فمعناه - واللّه أعلم - لم يرها ، ولم يكد ، أي : لم يدن من رؤيتها . وكذلك :
مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
" 2 " . فلا تذكر خبرها إلّا فعلا ، لأنّها لمقاربة الفعل في ذاته .
فهي بمنزلة قولك : " جعل يقول " ، و " أخذ يقول " ، و " كرب يقول " ، إلّا أن يضطرّ شاعر ، فإن اضطرّ ، جاز له فيها ما جاز في " لعلّ " . قال الشاعر [ من الرجز ] :
[ 284 ] -
[ ربع عفا من بعد ما قد انمحى ] * قد كاد من طول البلى أن يمصحا
هامش
النسوة ، والنون : ضمير متصل في محل رفع فاعل ، والكاف : ضمير متصل في محل نصب مفعول به .
أجدعا : مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة .
وجملة " لعلك يوما أن تلم " : ابتدائية لا محلّ لها . والمصدر المؤول من " أن تلم ملمة " : في محلّ رفع خبر لعل . وجملة " يدعنك " : صلة موصول لا محلّ لها ، وكذلك جملة ( تلم ) .
والشاهد فيه قوله : " لعلك يوما أن تلم ملمة " فقد جاء خبر " لعل " مصدرا مؤولا تشبيها ب " عسى " وهذا ما يميزها عن أخواتها .
( 1 ) النور : 40 .
( 2 ) التوبة : 117 .
[ 284 ] - التخريج : الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص 172 ؛ والدرر 2 / 142 ؛ وشرح شواهد الإيضاح ص 99 ؛ وشرح المفصل 7 / 121 ؛ ولسان العرب 4 / 383 ( كود ) ؛ والمقاصد النحوية 2 / 215 ؛ وبلا نسبة في أدب الكاتب ص 419 ؛ وأسرار العربية ص 15 ؛ وتخليص الشواهد ص 329 ؛ ولسان العرب 2 / 598 ( مصح ) ؛ وهمع الهوامع 1 / 130 .
اللغة : عفا : زال وانمحى . يمصح : يذهب ، ويدرس .
المعنى : وصف منزلا بأنه يكاد يذهب ، ويدرس لقدمه .
الإعراب : " ربع " : مبتدأ مرفوع بالضمّة . " عفا " : فعل ماض مبني على الفتح المقدّر على الألف ، وفاعله ضمير مستتر تقديره " هو " . " من بعد " : جار ومجرور متعلقان بالفعل " عفا " . " ما " : مصدرية . " قد " :
حرف تحقيق . " انمحى " : فعل ماض مبنى على الفتح المقدّر على الألف ، وفاعله ضمير مستتر قديره " هو " ، والمصدر المؤول من ( ما قد انمحى ) في محلّ جر مضاف إليه بتقدير " من بعد انمحائه " . " قد " : حرف تحقيق . " كاد " : فعل ماض ناقص مبني على الفتح ، واسمه مستتر جوازا تقديره : هو ، يعود على المنزل الذي يصفه الشاعر . " من طول " : جار ومجرور متعلقان بالفعل ( يمصح ) . " البلى " : مضاف اليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر . " أن " : حرف مصدري وناصب . " يمصح " : فعل مضارع منصوب ، وفاعله مستتر جوازا تقديره هو يعود على المنزل أيضا ، والمصدر المؤول من ( أن ) والفعل ( يمصح ) منصوب على أنه خبر ( كاد ) .
وجملة " ربع عفا " : ابتدائية لا محلّ لها . وجملة " عفا " : في محل رفع خبر " ربع " . وجملة " كاد أن يمصح " : ابتدائية لا محل لها .
والشاهد فيه : دخول ( أن ) بعد ( كاد ) ضرورة عند سيبويه ، والمستعمل في الكلام إسقاطها ، وإنما دخلت في الضرورة تشبيها ل ( كاد ) ب ( عسى ) كما سقطت من ( عسى ) تشبيها لها ب ( كاد ) لاشتراكهما في معنى المقاربة .