ولا يجوز : " عندي عشرون دراهم يا فتى " .
والفصل بينهما : أنّك إذا قلت : " عشرون " ، فقد أتيت على العدد ، فلم يحتج إلّا إلى ذكر ما يدلّ على الجنس ، فإذا قلت : " هو أفره الناس عبدا " ، جاز أن تعني عبدا واحدا ، فمن ثمّ حسن ، واختير - إذا أردت الجماعة - أن تقول : " عبيدا " . قال اللّه عزّ وجلّ :
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا
" 1 " ، وقد يجوز أن تقول : " أفره الناس عبدا " ، فتعني جماعة العبيد نحو التمييز ، والجمع أبين إذا كان الأوّل غير مخطور العدد .
* * * ومن التمييز : " ويحه رجلا " ، و " للّه درّه فارسا " ، و " حسبك به شجاعا " ، إلّا أنّه إذا كان في الأوّل ذكر منه ، حسن أن تدخل " من " توكيدا لذلك الذّكر ، فتقول : " ويحه من رجل " ، و " للّه درّه من فارس " ، و " حسبك به من شجاع " ، ولا يجوز : " عشرون من درهم " ، ولا " هو أفرههم من عبد " ؛ لأنّه لم يذكره في الأوّل .
وأنا أرى قوله عزّ وجلّ :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
" 2 " على هذا ؛ كما تقول : " من جاءني من طويل أعطيته " ، و " من جاءني من قصير منعته " ؛ لأنّك قدّمت ذكره بقولك :
" من " .
* * * واعلم أنّ التبيين إذا كان العامل فيه فعلا جاز تقديمه ؛ لتصرّف الفعل ، فقلت : " تفقّأت شحما " ، و " تصبّبت عرقا " ، فإن شئت قدّمت ، فقلت : " شحما تفقّأت " ، و " عرقا تصبّبت " .
وهذا لا يجيزه سيبويه ؛ لأنّه يراه ، كقولك : " عشرون درهما " ، و " هذا أفرههم عبدا " ، وليس هذا بمنزلة ذلك ؛ لأنّ " عشرين درهما " إنّما عمل في " الدرهم " ما لم يؤخذ من الفعل .
ألا ترى أنّه يقول : " هذا زيد قائما " ، ولا يجيز : " قائما هذا زيد " لأنّ العامل غير فعل .
وتقول : " راكبا جاء زيد " ؛ لأنّ العامل فعل ؛ فلذلك أجزنا تقديم التمييز إذا كان العامل فعلا . وهذا رأي أبي عثمان المازنيّ .
هامش
( 1 ) الكهف : 103 .
( 2 ) النحل : 53 .