تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقتضب — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧

هذا باب التبيين والتمييز

اعلم أنّ التمييز يعمل فيه الفعل وما يشبهه في تقديره ؛ ومعناه في الانتصاب واحد ، وإن اختلفت عوامله . فمعناه : أن يأتي مبيّنا عن نوعه ، وذلك قولك : " عندي عشرون درهما " ، و " ثلاثون ثوبا " . لمّا قلت : " عندي عشرون " ، و " ثلاثون " ، ذكرت عددا مبهما يقع على كلّ معدود ، فلمّا قلت : " درهما " ، عرّفت الشيء الذي إليه قصدت بأن ذكرت واحدا منه يدلّ على سائره ، ولم يجز أن تذكر جمعا ؛ لأنّ الذي قبله قد تبيّن أنّه جمع ، وأنّه مقدار منه معلوم . ولم يجز أن يكون الواحد الدالّ على النوع معرفة ؛ لأنّه إذا كان معروفا ، كان مخصوصا ، وإذا كان منكورا ، كان شائعا في نوعه . فأمّا النصب فإنّما كان فيه ؛ لأنّ النون منعت الإضافة ، كما تمنعها إذا قلت : " هؤلاء ضاربون زيدا " . ولولا النون ، لأضفت فقلت : " هؤلاء ضاربو زيد " ؛ كما تقول : " هذه عشرو زيد " ، إلّا أنّ " الضاربين " وما أشبهه أسماء مأخوذة من الفعل تضاف كما تضاف الأسماء ، فإذا منعت النون الإضافة ، عملت هذه الأسماء فيما بعدها بما فيها من معنى الفعل . وكان المنصوب مفعولا صحيحا ؛ لأنّها أسماء الفاعلين في الحقيقة وفيها كنايتهم . فإذا قلت : " عشرون رجلا " ، فإنّما انتصب بإدخالك النون ما بعدها تشبيها بذلك ؛ كما أنّ قولك : " إنّ زيدا منطلق " ، و " لعلّ زيدا أخوك " مشبّه بالفعل في اللفظ ، ولا يكون منه " فعل " ، ولا " يفعل " ولا شيء من أمثلة الفعل ؛ وكما أنّ " كان " في وزن الفعل وتصرّفه ، وليست فعلا على الحقيقة . تقول : " ضرب زيد عمرا " ، فتخبر بأنّ فعلا وصل من زيد إلى عمرو . فإذا قلت : " كان زيد أخاك " ، لم تخبر أنّ زيدا أوصل إلى الأخ شيئا ، ولكن زعمت أنّ زيدا أخوه فيما خلا من الدهر . والتشبيه يكون للفظ ، وللتصرّف والمعنى .