تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقتضب — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥

هذا باب " مذ " و " منذ "

أمّا " مذ " فيقع الاسم بعدها مرفوعا على معنى ، ومخفوضا على معنى . فإذا رفعت ، فهي اسم مبتدأ وما بعدها خبره ، غير أنّها لا تقع إلّا في الابتداء لقلّة تمكّنها ، وأنّها لا معنى لها في غيره ، وذلك قولك : " لم آته مذ يومان " ، و " أنا أعرفه مذ ثلاثون سنة " ، و " كلّمتك مذ خمسة أيّام " . والمعنى - إذا قلت : " لم آته مذ يومان " - أنّك قلت : " لم أره " ، ثمّ خبّرت بالمقدار والحقيقة والغاية . فكأنّك قلت : " مدّة ذلك يومان " . والتفسير : بيني وبين رؤيته هذا المقدار ، فكلّ موضع يرتفع فيه ما بعدها فهذا معناه . وأمّا الموضع الذي ينخفض ما بعدها فأن تقع في معنى " في " ونحوها ؛ فيكون حرف خفض ، وذلك قولك : " أنت عندي مذ اليوم " ، و " مذ الليلة " ، و " أنا أراك مذ اليوم يا فتى " ، لأنّ المعنى في اليوم وفي الليلة . وليس المعنى أنّ بيني وبين رؤيتك مسافة ، وكذلك : " رأيت زيدا مذ يوم الجمعة يمدحك " ، و " أنا أراك مذ سنة تتكلّم في حاجة زيد " ؛ لأنّك تريد : أنا في حال رؤيتك مذ سنة ، فإن أردت : " رأيتك مذ سنة " ، أي : غاية المسافة إلى هذه الرؤية سنة ، رفعت ؛ لأنّك قلت : " رأيتك " ، ثمّ قلت : " بيني وبين ذلك سنة " ، فالمعنى : أنّك رأيته ، ثمّ غبرت سنة لا تراه . وإذا قال : " أنا أراك مذ سنة " ، فإنّما المعنى أنّك في حال رؤية ، لم تنقض وأنّ أوّلها مذ سنة ؛ فلذلك قلت : " أراك " ؛ لأنّك تخبر عن حال لم تنقطع . فهذا شرط " مذ " وتفسيرها . فإن قال قائل : فما بالي أقول : " لم أرك مذ يوم الجمعة " ، و " قد رآه يوم الجمعة " ؟ قيل : إنّ النفي إنّما وقع على ما بعد الجمعة ، والتقدير : لم أرك مذ وقت رؤيتي لك يوم الجمعة ، فقد أثبتّ الرؤية ، وجعلتها الحدّ الذي منه لم أره . فهذا تفسيرها ومجرى ما كان هذا لفظه ، واتّصل به معناه . * * *